نعم للانتخابات الفلسطينية المبكرة../ زهير اندراوس

عندما أعلنا بصريح العبارة أننا نعارض اتفاق أوسلو الذي وقع في العام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الدولة العبرية، أكدنا أنّ الاتفاق لا يحقق الحد الأدنى من أماني وطموحات وحقوق الشعب العربي الفلسطيني من ناحية، وبالمقابل رأينا كيف أنّ أبناء جلدتنا، الذين أداروا المفاوضات بعيدا عن الأضواء، يمنحون إسرائيل وأقطابها أخر ورقة تمسكنا بها على مدار عقود من الثورة الفلسطينية، اعترفنا بالدولة العبرية، والبقية باتت تاريخاً، نتركها للمؤرخين لسبر أغوارها.

من نوافل القول التأكيد على أنّ مهندس اتفاق أوسلو، الذي جلب الويلات لشعبنا الفلسطيني، السيد محمود عباس، أصبح رئيساً للسلطة الوطنية منقوصة السيادة، ومن اللافت أنّ السيد أبو مازن، الذي تصفه الصحافة العبرية في إسرائيل بأنّه إنسان عقلاني وبراغماتي، يواصل السير على خطى أوسلو، ضاربا عرض الحائط الثوابت الفلسطينية.

والمثير أنّ رئيس حكومته السيد سلام فياض، الذي ما زال يبحث عن الشرعية لحكومته، عيّن نفسه ناطقاً باسم الشعب الفلسطيني. فرئيس وزراء حكومة الطوارئ أو حكومة تسيير الأعمال، يدلي بالتصريحات الخطيرة للصحافة الإسرائيلية باللغة العبرية لاستمالة بني صهيون وإقناعهم بأنّه على استعداد لتسليم البضاعة الفاسدة التي يطالبون بها. ففي المقابلة مع الصحافي الإسرائيلي عكيفا الدار من صحيفة هآرتس الإسرائيلية في الأسبوع الماضي أطلّ علينا فياض، المرضي عنه أمريكياً وإسرائيلياً، وأعلن بالأسود والأبيض أنّ تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين شُردوا من أراضيهم في نكبة العام 1948 لن يتم إلا بموافقة الدولة العبرية، متجاهلاً عن سبق الإصرار والترصد قرار الأمم المتحدة رقم 194 والذي يؤكد بشكل غير قابل للتأويل على حق العودة.

وبعد عدة أيام اطلّ علينا رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس (أبو مازن) من على صفحات جريدة "معاريف" الإسرائيلية اليمينية ليقول للمحلل بن كاسبيت في مقره في مدينة رام الله المحتلة إنه لا توجد قوة في العالم بإمكانها إجبار الدولة العبرية على إعادة ملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطق الـ48. وبين تصريح وتصريح على المقاسات الإسرائيلية والأمريكية والعربية المتواطئة، نتابع بألم ومرارة شديدين برنامج الحكومة الفلسطينية التي يتزعمها فياض. الحكومة الفلسطينية، سيداتي وسادتي، تشطب من أجندتها الكفاح المسلح وأكدت على أنّها تتبنى برنامج السيد عباس حول الانتفاضة الشعبية السلمية، من مظاهرات وفعاليات ونشاطات بعيداً عن السلاح للتصدي للاحتلال.

في الحقيقة فإن هذه المواقف المائعة لم تفاجئنا البتة، فإسرائيل وأمريكا حصرتا عباس وفياض في رام الله المحتلة، وتعملان بكل ما أوتيتا من قوة من اجل فصل الضفة الغربية المحتلة عن قطاع غزة، بمعنى الضفة الغربية لعباس وقطاع غزة لحماس. ويوم الأحد من هذا الأسبوع استضافت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي السيد سفيان أبو زايدة، وزير شؤون الأسرى الأسبق، ومن قياديي حركة فتح، الذي يتكلم العبرية بطلاقة ليشرح للإسرائيليين في تلفزيونهم وبلغتهم أنّ قرارات عباس وفياض صائبة. فوفق أبو زايدة، شطب مصطلح المقاومة أو الكفاح المسلح من الأجندة الفلسطينية هو تحصيل حاصل، لأنّه ثبت على مدار السنين، على حد زعمه، أنّ الكفاح المسلح عاد سلباً على الشعب الفلسطيني، ومن حق فياض وعباس أن يبحثا عن طريق ثالث، أبو زايدة لم يتطرق ولو كلمة بواحدة إلى الأعمال الإجرامية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عدوان الخامس من حزيران (يونيو) من العام 1967، أي أنّه حوّل الضحية إلى جلاد، وحول الجلاد إلى ضحية، وكأنّ قتل الأطفال والشباب والنساء والمسنين من أبناء شعبنا هو أمر مشروع للاحتلال الصهيوني المجرم.

وبطبيعة الحال، فان مقدمي البرنامج موطي كيرشنباوم ويارون لندن، بمساعدة مراسل الشؤون العربية في القناة العاشرة، تسفي يحزقيئلي، انقضوا على الضيف الفلسطيني ووجهوا له باستعلاء وكبرياء السؤال التالي عن حق العودة. أبو زايدة يقول دون تردد إنّ تطبيق مبدأ حق العودة يجب أن يتم بالاتفاق مع الدولة العبرية فقط، متناسياً أنّ ما يُسمى بالإجماع القومي الصهيوني من أقصى اليمين إلى أقصى ما يسمى باليسار الصهيوني الإسرائيلي، يرفض رفضاً باتاً إعادة لاجئ واحد إلى أراضي الـ48، وهذا يعيدنا إلى تصريحات محمود عباس بأنّ حل قضية حق العودة يجب أن يكون خلاقاً.

ولمنع أي التباس في هاتين القضيتين المصيريتين علينا أن نؤكد أنّ حركة فتح هي التي أطلقت الشرارة الأولى من الثورة الفلسطينية، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى والأسرى من اجل قضية فلسطين، كما انه نرى لزاماً علينا التشديد على أنّ الشرفاء في حركة فتح هم كثر، ولا نعتقد أنّ السواد الأعظم من أبناء هذه الحركة يؤيدون الطروحات الجديدة للثنائي عباس وفياض، ولكن مع ذلك نرى من واجبنا وحقنا أن نحذر الكوادر الفتحاوية من الانزلاق إلى هذا الدرك، وتأييد الحلول "البراغماتية" التي يطرحها الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض.

علاوة على ما ذكر أعلاه، سيُعلن السيد عباس قريباً عن إجراء انتخابات فلسطينية مبكرة للرئاسة وللمجلس التشريعي الفلسطيني، ومع أنّ هذه الخطوة تتعارض جوهريا مع الدستور الفلسطيني، زد على ذلك أنّ حركة حماس تعارضها جملة وتفصيلا، فإننا نرى أنّ المرحلة المفصلية التي يمر بها شعبنا العربي الفلسطيني، والمؤامرات التي تُحاك ضده في واشنطن وتل أبيب ورام الله وفي عدد من العواصم العربية المتأسرلة والمتأمركة، تُحتم على حركة حماس إعادة النظر في معارضتها للانتخابات المبكرة، وهذا الأمر ينسحب على الفصائل الفلسطينية الأخرى المعارضة لهذا الإجراء غير الدستوري من قبل عباس المؤتمن على تطبيق الدستور.

بكلمات أخرى، على حماس أن توافق على التحدي وعليها أن توافق على إجراء الانتخابات المبكرة على الرغم من عدم دستوريتها، شريطة أن يكون التركيز في هذه المعركة الانتخابية على تطبيق مبدأ حق العودة وحق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح لطرد المحتل الغاصب والغاشم من أراضي فلسطين. وللتذكير فقط فإنّ المعاهدات والمواثيق الدولية نصت على حق الشعب الذي يرزح تحت نير الاحتلال أن يقاوم عسكرياً ضد المحتل، بالإضافة إلى ذلك، على حماس ومن يؤيدها أن يتذكروا مقولة الرئيس المصري الراحل طيب الذكر، جمال عبد الناصر، الذي أكد أنّ الشعوب التي تُساوم المستعمر على حريتها تُوقع في نفس الوقت على وثيقة عبوديتها. إمعان حماس في معارضة الانتخابات المبكرة قد يُفسر على انه نابع من خشية الخسارة في الانتخابات، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك فان قضية الشعب الفلسطيني أكبر وأهم من حركة فتح ومن حركة حماس، وبالتالي فإن المخرج الوحيد من الأزمة المستعصية التي يمر بها الشعب العربي الفلسطيني هو إعادة القول الفصل للشعب لكي يقرر: هل يؤيد التنازل عن حق عودة اللاجئين إلى أراضي الـ48؟ هل يوافق على شطب الكفاح المسلح من أجندته السياسية؟ ولمنع أعمال التزييف والتزوير في الانتخابات الفلسطينية نرى أنه من الضرورة بمكان استجلاب مراقبين دوليين من جميع أصقاع العالم لضمان نزاهة الانتخابات واللعبة الديمقراطية، كما حدث في الانتخابات التي جرت السنة الماضية وأسفرت عن فوز حماس بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي.

خلاصة الكلام: إننا نميل إلى الترجيح بان شعبنا العربي الفلسطيني ما زال متشبثا بثوابته الوطنية ولن ينجر وراء الكلام الذي يطلقه السيد فياض ورئيسه السيد عباس، ولا نبالغ إذا قلنا إنّ القيادة الفلسطينية في رام الله لا تمثل إلا قسماً صغيراً من الشعب الفلسطيني، وبالتالي فان الانتخابات هي أمر الساعة لكي نضع النقاط على الحروف، ونوجه رسالة إلى التيار الفتحاوي المرتمي في أحضان أمريكا وإسرائيل، بالإضافة إلى ذلك نحن على قناعة بان شعبنا الفلسطيني فهم قواعد اللعبة الجديدة، وصناديق الاقتراع ستؤكد للقاصي والداني أنّ الشعب الذي قدم عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى سيعرف كيف سيرد على المبادرات التي تُطلق بين الفينة والأخرى للإجهاز على ما تبقى من فلسطين؟ وصناديق الاقتراع ستثبت أنّ الاكتفاء بحكومة في رام الله وحكومة في غزة هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وهو قضية دخيلة على تاريخ هذا الشعب الجبار.

امنحوا أبناء هذا الشعب العظيم أن يقرروا، أعطوه الفرصة لنبذ المؤامرات والتمسك بالثوابت الفلسطينية التي بدونها لن يتمكن هذا الشعب من تحقيق أماله بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والديمقراطية والعلمانية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018