حول وحدانية وشرعية تمثيل م.ت.ف في ظل "الحلول السياسية الخلاقة"../ يونس العموري

في إطار الأطروحة السياسية الجديدة التي تتمثل (بالحل الخلاق لقضية اللاجئين) وفي ظل إسقاط الحق المشروع والعام بالمقاومة على مختلف أشكالها وتنوعاتها وأرقى أشكالها المسلحة.. وفي ظل انحسار اهتمام المؤسسة الرسمية الفلسطينية بالوضع الفلسطيني الداخلي... وإهمال أكثر من 6 ملايين فلسطيني مقيم بالخارج ...وفي ظل مؤامرة فعل التهجير القسري الذي يجري منذ أشهر من مخيم نهر البارد بلبنان في واحدة من أكبر عمليات التهجير الفعلية لأكبر تجمع بشري فلسطيني منذ سنوات، ولا نعلم ما ستؤول إليه أوضاع أكثر من 40 ألف لاجئ بعدما تحول المخيم إلى ركام لا يصلح للعيش الآدمي بين ظهرانيه... والجهات الفلسطينية لا تحرك ساكنا على ما يجري مما يؤكد أن الجانب الفلسطيني الرسمي وكأنه يوافق على الأطروحة التوطينية التي يبدو أن ملامحها تتمظهر للعيان بالظرف الراهن.... وفي ظل إنجاز صفقة غريبة لعودة ما يقارب 40 فلسطيني ممن كانوا عالقين على الحدود العراقية السورية والذين هربوا من جحيم نيران القتل والذبح للفلسطينيين في بغداد، وكانت عودتهم بشرط أن يتم نزع صفة لاجئ عن كل من يدخل الضفة الغربية، ليتحول إلى مواطن مقيم في الأراضي الفلسطينية، بمعنى تنازله الطوعي عن صفته كلاجئ فلسطيني وهي الصفقة التي تم إنجازها مؤخرا ما بين السلطات الإسرائيلية المعنية وبين الجهات الفلسطينية ذات الشأن والعلاقة.... وهو الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة (الحل الخلاق) لمسألة اللاجئين الذي أضحى عنوان الخطاب الفلسطيني الرسمي هذه الأيام ...

وفي ظل تناقض وتناحر الخطاب الفلسطيني الذي لا يرتقي لحد التنسيق المشترك، ولا حتى للحد الأدنى من التوافق على مختلف القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها قضايا الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني... فمن حقنا هنا أن نتساءل وبعد أكثر من أربعة عقود على إنشائها... هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده...؟؟ وهو الشعار الذي لطالما بقي الأكثر وضوحا والأكثر قبولا للجماهير الفلسطينية بمختلف مناطق الأراضي الفلسطينية المحتلة وأماكن الشتات واللجوء... وقد شكل هذا الشعار مرتكزا أساسيا من مرتكزات تشكيل منظومة الوعي الوطني والقومي للفلسطينيين بمختلف تواجدهم وتنوع مذاهبهم ومشاربهم الفكرية والأيدلوجية وبالتالي رؤاهم السياسية...

وأمام هكذا مستجدات وفي ظل هذه التطورات والتداعيات في البحث عن الحلول (الخلاقة) والهرولة وراء الحل بصرف النظر عن طبائعه إن كان فعليا سيحقق الحد الأدنى من الأهداف الفلسطينية... وكما أسلفنا في ظل تراجع وتخبط الخطاب الوطني الفلسطيني وعدم مقدرة المؤسسة الفلسطينية على إنتاج خطاب وطني موحد قادر على مواجهة تشرذم وتشتت الأطروحة الفلسطينية، تصبح معها مسألة كمسألة وحدانية وشرعية التمثيل من قبل منظمة التحرير موضع تساؤل كبير... بل من الممكن اعتباره موضع تشكك وتشكيك حول حقيقة وطبيعة وجودية هذه المؤسسة التي اعتبرت بمثابة الوطن المعنوي الذي منح الشعب الفلسطيني هويته الحضارية من خلال التجمع الجبهوي الشعبي الائتلافي العريض المسمى منظمة التحرير الفلسطينية، والذي استوعب كل أشكال الفعل الفلسطيني السياسي والدبلوماسي والشعبي والنقابي وبالتالي المسلح... وكان هذا البيت هو الحاضنة التي تصب فيها كل الرؤى والأفكار ومن ثم تكون صياغة المواقف الوطنية الفلسطينية بما يتناسب وحدود التوافق الوطني مع الأخذ بعين الاعتبار الهوامش للرأي والرأي الأخر في الإطار العام لمنظمة التحرير...

إن مؤسسة منظمة التحرير الفلسطينية ومنذ بداياتها وحتى الأمس القريب عملت على تعزيز توالف قواها وتعزيز تحالف مسارات البنادق المقاتلة المناضلة لتحرير الأرض والإنسان، ولم تحاول أن تعمل على شطب أحد من القوى والفصائل الوطنية العاملة على الساحة الفلسطينية، وإن كانت المناوشات والمناكفات في كثير من الأحيان سيدة الموقف ما بين تلك القوى، وإن حاولت تلك القوى العمل على تعزيز نفوذها وسيطرتها على مؤسسات المنظمة وبرغم المحاولات المحمومة للكثير من الأنظمة العربية للعبور والولوج إلى تلك المنظمة عبر الوجوه الفلسطينية سائدة ولم تتوقف على مدار سني عمر المنظمة، التي حاولت حرف مسار فعل المنظمة عن أساسياتها... إلا أن تلك المنظمة وحتى الأمس القريب لم تحاول أن تتنصل من أدبياتها الأساسية التي قامت عليها، ولم تحاول الإلتفاف على جوهرية وجوديتها ... وبالتالي استطاعت برغم الكثير من الأخطاء أن تحافظ على مسارها الإستراتيجي، واستحقت أن تكون ممثلة الشعب الفلسطيني الشرعي والوحيد حيث التفت حولها جماهير الداخل والخارج ومنحتها كل الثقة، كونها قد رأت بأطروحاتها ما يستحق ان تعتبرها ممثلة له وكونها تعبر عن إرادته بالعودة وحق تقرير المصير.... وحيث ذلك فلا يوجد خلاف بين الفصائل الفلسطينية المختلفة أو بين أبناء الشعب الفلسطيني على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المظلة الكبيرة والبيت الجامع لكل الفلسطينيين، أو هكذا كانت على الأقل، لكن في الوقت نفسه لا يخفى على أحد أن المنظمة بشكلها وتكوينها وشخوصها الحاليين لا تمثل الشعب الفلسطيني بأي شكل من الأشكال، في ظل ميثاق مخترق، ولجنة تنفيذية غير قانونية، ومجلس وطني متضخم ومنتهي الصلاحية والولاية، وفي ظل أطروحات سياسية متناقضة مع أساسيات المنظمة... وفي ظل هيمنة وتفرد تيار سياسي يسعى لتطويع المنظمة بما يتلاءم ونزعاته السياسية، وبوجود شخصيات يجمع الكثيرون على رفضها لتبنيها مبادرات تسقط حقوق الشعب الفلسطيني.

إن وحدانية وشرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية تنطلق من التمسك بالثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة إلى الأماكن والممتلكات الأصلية وليس من خلال حلول تلفيقية، يتم صناعتها في أماكن أخرى غير الأماكن الفلسطينية ذاتها.

وفي ذات السياق فإن ما أقدمت وما تقدم عليه الحكومة الفلسطينية الحالية (حكومة الدكتور سلام فياض)، ومنذ الساعات الأولى، يتجاوز صلاحيات أي حكومة فلسطينية في مناطق السلطة الفلسطينية كون ولايتها فقط فيما تسمح به ولاية الاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي المُخترقة أكثر من مرة من قبل الجانب الإسرائيلي... وكان من الواضح أن هذه الحكومة والتي حظيت بدعم ومساندة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (الفاقدة لشرعيتها بالظرف الراهن) والمكلفة أصلا بمواجهة ومجابهة الحالة الفلسطينية الجديدة على خلفية الحسم العسكري من قبل حركة حماس في قطاع غزة مما نشأ عنه فصلا قسريا ما بين الضفة الغربية وغزة، الأمر الذي تم تشكيل حكومة فياض على أساسه لإنفاذ ما يسمى بحالة الطوارئ. ومن الملاحظ هنا أنها قد تجاوزت إنفاذ حالة الطوارئ هذه إلى محاولتها اللعب على الثوابت الوطنية والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، سواء فيما يخص قضية العودة او فيما يتصل بمسألة الحق بالمقاومة، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق صلاحيات أي حكومة من حكومات السلطة الوطنية الفلسطينية....

إن الحكومة الفلسطينية الحالية والتي ُدعمت من قبل مؤسسة المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية قد أوقعت نفسها بمطب انزلاقي اعتقد أنه خطير، وخطورته تكمن في أنها قد عززت حالة الإنقسام ما بين فئات الشعب الفلسطيني المختلفة والمتناقضة أصلا، ولا اقصد هنا الخلاف والتصارع ما بين فتح وحماس، فحسب بل ما بين مختلف التوجهات السياسية الفلسطينية وتلك الشعبية وذلك على خلفية تصريحات أركان هذه الحكومة فيما يخص قضية اللاجئين أو فيما يخص الحق بالمقاومة.. وبالتالي فإن هذه الحكومة تحاول تغير معالم خارطة الطريق الفلسطينية الأساسية، والتي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، واستمدت شرعيتها ووجودها من خلال هذه الأسس.. وحيث أن منظمة التحرير وحسب ما هو معلن المرجعية العليا لحكومة السلطة وللسلطة ذاتها، فبالتالي تقع المسؤولية الأولى والأخيرة على عاتقها.

وعلى ذلك وحسب مشهدية الواقع الفلسطيني ومجريات المسار السياسي وتصريحات رعاة مؤسسة منظمة التحرير الجدد نلاحظ أن هذه المنظمة ما عادت تلبي طموحات وتطلعات الكل الفلسطيني، وبالتالي نعاود طرح سؤالنا من جديد.. هل منظمة التحرير الفلسطينية ما زالت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده؟؟..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018