سوريا: تبدّلات استراتيجية../ محمد خواجة*

تلقّت القوات السورية المرابضة في لبنان، درساً قاسياً خلال اجتياح عام 1982، حين أُجبرت على مواجهة القوات الإسرائيلية المندفعة نحو العاصمة اللبنانية، من دون الحماية الجوية اللازمة. وكانت الطائرات السورية قد انسحبت كلياً من المعركة، بعد أيام على اندلاع القتال، على أثر مواجهات جوية غير متكافئة، أفضت إلى سقوط ما يقارب ثمانين طائرة ميغ سورية، مقابل انعدام الخسائر لدى الإسرائيليين.

على الرغم من البطولات التي سجّلتها الوحدات السورية، في معارك تلال خلدة، والسلطان يعقوب، وعين دارة وغيرها، إلا أنها فشلت في وقف الزحف الإسرائيلي في اتجاه العمق اللبناني، وتكبدت آلاف الإصابات بين صفوف أفرادها. حينها، أيقن الرئيس حافظ الأسد، بأنه لا مجال للتوازن الاستراتيجي في نطاق الحرب الكلاسيكية، التي ترتكز على سلاحي الجو والمدرعات، وبدأ بالبحث عنه في مكان آخر. وترسخت قناعته بعد فقدان حليفه الاستراتيجي الاتحاد السوفياتي. يقول الخبير الإسرائيلي عوفر شيلح: «قرر حافظ الأسد بعد حزيران 1982، أنه لم يعد بحاجة إلى سلاح الجو، لأنه أدرك استحالة التوازن مع القوة المتطورة لسلاح الجو الإسرائيلي.

لذا بدأ السوريون يبحثون عن التوازن في مجال الصواريخ البعيدة المدى». وكان من الطبيعي أن يؤدي تراجع الاهتمام بسلاح الجو، إلى تراجع تدريجي لدور سلاح المدرعات. فالدبابة تصبح هدفاً سهلاً، متى انعدمت الحماية الجوية، مثلما حصل لسلاح المدرعات المصري في صحراء سيناء أثناء حرب حزيران 1967.

منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، بدأ الجيش السوري يوسع هيكل «القوات الخاصة» على حساب التشكيلات النظامية الأخرى، لكونها قادرة على تلبية متطلبات الحرب غير المتماثلة، التي باتت لبّ الاستراتيجية العسكرية السورية.

يدّل ما ذكرناه آنفاً، على أن السوريين مالوا إلى تبني مفهوم الحرب غير التقليدية منذ مدة، ويعدّون قواتهم على أساسها. وبالتالي ليس دقيقاً القول بأن مجريات حرب لبنان ونتائجها دفعتهم إلى تبني استراتيجية جديدة، مع الإقرار بأن تلك الحرب ساهمت في ترسيخ قناعة السوريين بصحة توجههم الاستراتيجي، ورفعت منسوب ثقتهم بالنفس. وحثّتهم على تكثيف الجهد في مجال بناء القوات الخاصة، ومنظومة تسليحها المناسبة، استعداداً لحرب محتملة. في هذا السياق، يقول وزير الدفاع السوري العماد حسن تركماني: «إنّ حرب لبنان غيّرت نظرتنا إلى العدو، وأطاحت مقولة استحالة خيار المواجهة العسكرية، وعززت الثقة بإمكانية نجاح خيار المقاومة والمواجهة». وكان الرئيس السوري قد أشار في اليوم التالي لتوقف الأعمال الحربية ـ 15/8/2006 ـ إلى أن سوريا تملك خيارات متعددة لاستعادة أرضها المحتلة.

إذاً يبدو أن السوريين يعتقدون بأن المقاومة نجحت في كسر هيبة الردع الإسرائيلية، وبرهنت عن أن القوة الإسرائيلية لها حدودها، ويمكن أن تمس بشدة، متى واجهت قوة منظمة ومدربة، وتنتهج أسلوب قتال يعطل تكتيكاتها، ويربك استراتيجيتها. وقد تنبهوا ـ من خلال رصدهم لمجريات حرب لبنان ـ إلى ثلاثة عوامل رئيسية أدّت إلى إعطاب مبادئ أساسية في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، ما أدى إلى الفشل الإسرائيلي. وهذه العوامل هي الآتية:

1- يعتبر نقل المعركة إلى أرض الخصم، وإبقاء الداخل الإسرائيلي بمنأى عن تأثيرات الحرب، من المركبات الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية. ويُشترط لتأمين النجاح، الاندفاع المباشر إلى أرض العدو، وتدمير قواته، واحتلال أرضه، لمنعه من استخدام قدراته العسكرية، ضد المدن والمستوطنات الإسرائيلية. في حرب لبنان الثانية، فشل الجيش الإسرائيلي في تطبيق هذا المبدأ، حين عجز عن منع المقاومين من إطلاق الصواريخ المنحنية، بوتيرة متصاعدة، في اتجاه العمق الإسرائيلي، طوال أيام الحرب. وكنتيجة لهذا المعطى، عملت سوريا في السنة الماضية، على تحديث ترسانتها الصاروخية (التجارب على صواريخ السكود) ومضاعفة مخزونها. وكانت تقارير إسرائيلية قد أشارت إلى حصولها على صواريخ أرض ـ أرض متطورة من روسيا الاتحادية وإيران. وبحسب المصادر نفسها، تتفاوض سوريا مع روسيا للحصول على صاروخ إسكندر ـ إيه المتطور (يبلغ مداه 280 كلم ويتصف بالقدرة التدميرية والدقة العالية).

يندرج هذا الجهد في إطار بناء ذراع هجومية طويلة، تمنحهم القدرة على تهديد العمق الإسرائيلي. ومنذ أشهر، نشر الاستراتيجي الإسرائيلي زئيف شيف (توفي أخيراً) تقريراً في صحيفة هآرتس اعتبر فيه «أن التركيز السوري على الصواريخ والقاذفات الصاروخية لتعويض الضعف البارز لسلاح الجو السوري. وبدل ضرب اسرائيل من الجو، يبني السوريون قوة نار هائلة بواسطة الصواريخ، ليستطيعوا قصف المدن الإسرائيلية عن بعد». في حرب لبنان، تلاشت الحدود الفاصلة بين الجبهة العسكرية، والعمق «المدني» الإسرائيلي، ما فتّح عيون أعداء إسرائيل على جبهتها الداخلية التي يبدو أنها ستصبح هدفاً رئيسياً في الحروب اللاحقة.

2 - اعتمدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية مبدأ تفادي الحرب الطويلة، لكون الجيش الإسرائيلي يرتكز على قوات الاحتياط، ففي الحرب الأخيرة، استطاعت المقاومة جرّه إلى منازلة مفتوحة امتدت لخمسة أسابيع، وكانت مرشحة للإطالة، لولا سريان القرار الدولي 1701، ما دفع بالإسرائيلي إلى مراجعة بعض جوانب استراتيجيته المتبعة. وتبين للقادة والخبراء العسكريين أنّ السبب الرئيس لفشل الإسرائيليين في الحسم السريع للمعركة، يعود إلى طبيعة العدو غير النظامية. وفي هذا المجال يقول العماد تركماني: «إن الحرب أفرزت معطىً جديداً يتعلق بتغيير النظرية الإسرائيلية، لتأخذ بعين الاعتبار حالة المواجهة، أو الحرب بين قوات تقليدية وقوات غير تقليدية»، ما يشير إلى تفهم سوري عميق لأسباب فشل الحرب الإسرائيلية على المقاومة، كقوة غير تقليدية نجحت في فرض أسلوب قتالها على العدو الذي اعتاد الغلبة في الميدان الكلاسيكي. لذا يعدّ السوريون قواتهم وقدراتهم، بما يتناسب مع مقومات الحرب غير المتماثلة، لحرمان العدو إمكان تنفيذ حرب خاطفة وسريعة ضدهم. في هذا السياق تشير المعلومات - الإسرائيلية بشكل خاص - إلى أن سوريا ضاعفت في السنة الماضية من أعداد أفواج القوات الخاصة التي تقارب في تركيبتها وأسلوب قتالها، أسلوبَ حرب العصابات. وهي تعتمد نظام تسلّح مرن يسهل تحريكه، وإخفاؤه. وتشكل الأسلحة المضادة للطائرات والدروع عموده الفقري. وينقل أليكس فيشمان (خبير اسرائيلي) عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية: «إن الجيش السوري يتزوّد الآن، بمجموعة كبيرة من الصواريخ المضادة للدبابات، في إطار التطوير الذي يجتازه، استناداً إلى الدروس المستخلصة من حرب لبنان». ويثير التركيز السوري على تعزيز وحدات السلاح المضادة للدبابات، قلقاً شديداً لدى القيادة الإسرائيلية، ولا سيّما بعد الخسائر التي تكبّدها سلاح مدرّعاتها خلال الحرب الأخيرة. وتركّز القوات الخاصة في قتالها على تنفيذ الإغارات، وتنظيم الكمائن المخصصة للأفراد والدروع. ويمكن أن تضم تشكيلاتها فصائل مختصة بصواريخ أرض - أرض، ذات المدى القصير والمتوسط. ويبدو أن نجاح أساليب قتال المقاومة اللبنانية (حرب العصابات) في تموز الماضي، عزز هذا الخيار لدى الجيش السوري.

3 - منذ تأسيس الكيان، عملت اسرائيل على معالجة الفجوة الديموغرافية الكبيرة بتركيزها على بناء الجندي «النوعي» تدريباً وتسليحاً، لضمان التفوق بمواجهة الكم العددي الذي يميز الجيوش العربية. وفي السنوات الأخيرة ادعت بأنها تملك جيشاً صغيراً، لكنه حديث وذكي، قبل أن تقلب نتائج حرب لبنان الثانية جدلية الكم والنوع لغير مصلحتها. ففي عدوانها الأخير، لم تكتفِ بتوفير التفوق النوعي فقط، بل أضافت إليه تفوقاً عددياً هائلاً، سواء لجهة عدد القوات، والوسائل القتالية والتكنولوجية، ما جعل ميزان القوى مختلاً بشكل كبير لمصلحتها. فعديد مقاتلي حزب الله- بحسب المصادر الإسرائيلية- الذين خاضوا المعركة، لم يتجاوز المئات أو الآلاف على أبعد تقدير، بينما بلغ حجم القوة الإسرائيلية أكثر من 14 لواء، تساندهم 400 دبابة من مختلف الأنواع. وشارك قسم كبير من سلاحي الجو والبحر في المعركة. وعلى الرغم من ذلك، فشلت تلك القوة في تحقيق أهدافها، ما جعل الخبراء الإسرائيليين يتساءلون عن النتيجة لو واجهت الدولة العبرية قوة شبيهة بمقاتلي المقاومة، ولكنها تفوقهم بأضعاف مضاعفة؟ هذه المعادلة الجديدة لفتت انتباه السوريين القادرين على توفير إمكانيات عسكرية، وأعداد بشرية أكبر، بما لا يمكن مقارنته مع عديد المقاومة اللبنانية.

إلى جانب النتائج الإيجابية للحرب، برز عامل سلبي تمثل في عدم توافر الوسائط الفعالة المضادة للطائرات لدى المقاومة، والجيش اللبناني، ما سمح للطائرات الإسرائيلية بممارسة سطوتها ضد الأهداف المدنية والعسكرية، على مساحة الخريطة اللبنانية. يبدو أن السوريين يدركون هذه المعضلة ويسعون لحلها، وخصوصاً أن قواتهم ومنشآتهم الحيوية مكشوفة تماماً. منذ أشهر، نقلت القناة الثانية للتلفزة الإسرائيلية عن مصادر أمنية إسرائيلية «أن اسرائيل تعارض بشدة بيع روسيا صواريخ مضادة للطائرات من طراز (إس 300) إلى سوريا». وادعت القناة أن إيران ستموّل الصفقة المقدرة قيمتها بمليار دولار. ويؤكد الخبراء أن الصاروخ المذكور قادر على إسقاط الطائرات الإسرائيلية، قبل أن تدخل المجال الجوي السوري. وكان إيهود أولمرت قد أوفد وزير الشؤون الاستراتيجية أفيغدور ليبرمان إلى موسكو، لإبلاغها بالقلق الإسرائيلي إزاء هذه الصفقة.

هذه العوامل الثلاثة التي شرحناها آنفاً، والتي تنبه لها السوريون، أدت إلى تعزيز استراتيجيتهم المتبعة، وزيادة استعداداتهم. مقابل ذلك، يجهد الجيش الإسرائيلي لمعالجة نقاط الضعف التي كشفتها حرب لبنان. وفي هذا السياق، عُيّن الجنرال غابي أشكنازي رئيساً لهيئة الأركان العامة، وهو ضابط ميداني مجرب، قاد العديد من الوحدات البرية في حروب اسرائيل السابقة. ويسعى وفقاً لبرنامج طموح إلى إعادة بناء القوات البرية، من خلال تكثيف التدريب والمناورات، وتطوير نظام التعاون بين وحداتها. وفي سياق متصل، عين الجنرال إيهود باراك وزيراً للدفاع، بدلاً من عمير بيرتس الذي تعرض لانتقادات حادة، على ضعف أدائه القيادي في حرب لبنان.

ونتيجةً للنشاط السوري المكثف والمحموم، تساءل المراقبون: هل تعدّ سوريا لعمل هجومي في المستقبل القريب؟ أم هذا النشاط يندرج في إطار الاستعداد لمجابهة حرب اسرائيلية محتملة؟ في تقديرنا أن سوريا تعتمد استراتيجية دفاعية، فإذا ما استثنينا الصواريخ البالستية ذات الطابع الهجومي، تصبح باقي الوسائط المتاحة للجيش السوري دفاعية بامتياز. فالحرب الهجومية الحديثة تحتاج إلى أمرين اثنين:

1 - سلاح جو فاعل يضاهي نظيره عند العدو، وهذا ما تفتقر إليه القوات السورية.
2 - مورد ثابت للسلاح والعتاد. فالحرب الهجومية تستنفد كميات هائلة منهما، ما يستدعي توافر شريان إمداد دائم. ففي حرب تشرين 1973 أقام الاتحاد السوفياتي جسراً جوياً لمدّ الجيشين المصري والسوري بالاحتياجات اللازمة، مقابل الجسر الجوي بين واشنطن وتل أبيب. أما اليوم، فلا يوجد مصدر دائم مضمون لتوريد السلاح والذخيرة إلى سوريا. في هذا الإطار، صرح الجنرال عاموس يادلين- رئيس الاستخبارات العسكرية- أمام مجلس الوزراء الإسرائيلي بـ«أنّ احتمال شنّ سوريا حرباً ما زال ضعيفاً، إلا أن ردّ فعل عسكرياً سورياً على تهديدات القوات الاسرائيلية وارد بشدة».

في المقلب الآخر، يطرح السؤال نفسه: هل تقدم إسرائيل على عمل عسكري استباقي لمنع سوريا من تطوير قدراتها الدفاعية؟ وهل تندرج حملة التهويل الإعلامية وتصريحات القادة الاسرائيليين، حول تنامي قدرات الجيش السوري، ضمن هذا السياق؟ علماً بأن جبهة الجولان شهدت، السنة الحالية، مناورتين كبيرتين للقوات الاسرائيلية. فالقراءة الدقيقة للموقف تشير إلى ان اسرائيل ستفكر ملياً، قبل الإقدام على عمل حربي واسع ضد سوريا، لإدراكها أنها ستكون مكلفة، وآثارها التدميرية لن تقتصر على الجانب السوري فقط.

يبدو أن المؤشرات المتوافرة تدل على أن القيادة السورية قد استوعبت خلاصات حرب لبنان الثانية، وتعمل لبناء «جيش مختلف»- حسب تعبير أليكس فيشمان- من حيث هيكل القوات، ومنظومة التسلّح، وأساليب القتال، والأهم من حيث الإيمان بأن العدو يمكن أن يُهزم، متى توافرت الإرادة الصلبة، وحرب لبنان خير شاهد على ذلك.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018