لتغسل الضفة "العار"!../ خليل شاهين*

الحكومة الإسرائيلية أعلنت قطاع غزة كيانا معاديا.. حمدا لله أننا لا نعيش في هذا الكيان.

نحن أهل الضفة، "الكيان الصديق"، سننعم بالكهرباء والطاقة وتدفق البضائع والأموال وأشياء كثيرة سيحرم منها أهل الكيان المعادي.. حمدا لله، لقد "نفدنا" من العقاب الجماعي!

سننعم بكل ما يحرم منه قطاع غزة، ربما مع بعض الاستثناءات، التي لا تجعلنا مع ذلك نصنف ككيان معاد. سننعم بكل شيء تقريبا، باستثناء أكثر من خمسمائة حاجز تقطع أوصال الضفة، وتوغلات واجتياحات واعتقالات وعمليات قتل يومية من الخليل جنوبا إلى جنين شمالا، مرورا بمخيم العين، حيث الحصار والقتل وحظر التجول أمام نظر حماة الشعب من قوات الأمن الوطني وقوات أمن الرئاسة، بهية الطلعة بزيها وعتادها.

لن تصنف الضفة ككيان معاد، وستقدم نموذجا يحتذى لأهل الكيان المعادي في القطاع، وسننعم بالعيش في الكانتونات ومعازل الفصل العنصري، والجيوب المعزولة بمحاذاة الجدار، وسنحرم من الدخول إلى القدس والأغوار، وسنتحمل مشهد دوريتين بثمانية جنود فقط، تجوب شوارع رام الله، و"تكزدر" حول "المقاطعة"، وتخلي الشوارع "طواعية" من قوات الأمن الوطني وكل أصحاب الزي "الكاكي المرقع". المهم، أننا لا نصنف ككيان معاد.

وسيكون لنا رئيس وحكومتان ومنظمة تحرير لا مثيل لهم في التاريخ: رئيس لكيانين، أحدهما معاد والآخر "صديق"، وحكومة لكيان عموم الضفة "الصديق"، وأخرى لعموم قطاع غزة المعادي، وكل منهما تدعي أنها حكومة عموم الضفة والقطاع، وممثل شرعي وحيد لهذين الكيانين معا، مع تناقض تصنيفهما وفق الأجندة الإسرائيلية.

ليس مهما.. سنختار التكيف هذه المرة أيضا، مع أهون الشرين: نصف السلطة معاد، والنصف الآخر "صديق". على الأقل، أفضل من اعتبار كل السلطة كيانا معاديا. نصف كهرباء، ووقود، وحركة تنقل، أرحم من قطع كل الكهرباء والوقود في الضفة والقطاع. ونصف قصف جوي وبحري في القطاع، أرحم من قصف كامل في الضفة والقطاع، نصف تدمير أفضل من تدمير شامل، كما كان الحال بعيد اندلاع انتفاضة الأقصى.

علينا أن نختار بين نصف تدمير أو تدمير شامل في الضفة والقطاع. المهم أن تبقي الضفة كيانا غير معاد، وأن نقبل بأهون الشر: إنقاذ نموذج الضفة، من مصير الكيان المعادي في القطاع. وربما كانت في هذا المصير نتائج إيجابية لحكومة عموم الضفة إذا تم تحميل حكومة عموم غزة المسؤولية عن الوصول إلى هذا المصير. عندها، سينتصر كذلك، "العلمانيون" في معركتهم ضد "الأصوليين"، وسيشمت أصحاب "الصحوة العلمانية" من المثقفين والكتاب بزملائهم "المهزومين" ممن صنفوا باعتبارهم "محايدين" لأنهم لم يفقدوا صوابهم، فدافعوا عن وحدة الوطن سياسيا وجغرافيا في مواجهة المصالح الفئوية للمتصارعين في وطن سلب منه كل شيء، حتى بات البعض لا يتشبث فيه سوى بسراب "العلمانية المسيسة" في تجمعات منقسمة متنازعة لا تكاد ترقى حتى إلى مستوى المجتمع الواحد.

وفي الاختيار بين نصف الشر أو كله، يتوجب الاختيار كذلك، بين نصف مقاومة أو مقاومة شاملة؛ مقاومة في نصف السلطة بالقطاع، حتى لا يلحق النصف الآخر بالضفة بمصير القطاع، أو مقاومة شاملة في كل السلطة على مستوى الوطن موحدا. فلا يمكن اختيار المقاومة في النصفين من دون أن تفلت الضفة من "ويلات" تصنيفها كيانا معاديا ينطبق عليها ما ينطبق على القطاع.

من سيختار بين نصف الشر أو كله؟ هل يتبرأ قطاع غزة من "عار" اعتباره كيانا معاديا، فيوقف المقاومة ويرضخ للشروط الإسرائيلية؟ أم تتبرأ الضفة من "عار" اعتبارها كيانا غير معاد، فتختار الانخراط الشامل في خيار المقاومة، ورفض الشروط الإسرائيلية، والانحياز إلى حوار وطني يعيد للوطن وحدته؟ وقبل كل ذلك، أيهما "العار" في زمن الاحتلال: أن تصنف معاديا أم صديقا؟ وكيف السبيل لتوحيد كيانين أحدهما يعتبر معاديا، والثاني غير معاد؟!

يعرف الفلسطينيون أن الإجابة تتراوح بين أحد احتمالين: إما أن يتحول الكيانان إلى كيان موحد معاد، وإما أن يتحولا إلى كيان موحد غير معاد. "والعار" في زمن الاحتلال والقتل والجدار والكانتونات والتقسيم والتجويع والعقوبات الجماعية أن يصنف مجرمو الحرب أي فلسطيني صديقا غير معاد للاحتلال والعنصرية!

فطوبى لأهل الكيان المعادي في القطاع، ولن يطول الزمن قبل أن ينضم إليهم أهلهم في الضفة، بعد أن يغسلوا "عار" عدم تصنيفهم ككيان معاد، بالتمرد على طريق تفجير الانتفاضة الثالثة، ليس انتصارا لغزة المعادية فقط، بل وانتصارا لوحدة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وانتصارا لوحدة الأمعاء، خاوية كانت أو متخمة بخيرات الوطن ومساعدات المانحين.

كل الوطن كيان معاد للاحتلال والعنصرية، لا نصفه، فلا تحرموا الفلسطينيين جميعهم من شرف رفض ومقاومة الاحتلال، ولا تلحقوا "العار" بنصف الوطن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018