ملاحقة السراب../ د.علي الجرباوي

في كل مرّة لم يستطع الفلسطينيون تحصيل اختراق في جوهر ومضمون عملية التسوية السياسية، استعاضوا عن ذلك، أولاً، بتعظيم توازنهم مع “الإسرائيليين” في جوانب إجرائية مظهرية وشكلية، وثانياً، بضخ آمال وتوقعات مبالغ فيها في مستقبل العملية. هكذا هو الوضع منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، واقع يكرر نفسه دون استيعاب الدروس واستخلاص العبر. والنتيجة المستمرة تتمثل باستمرار التراجع وتقديم التنازلات المجانية، والقبول بتبرير ذلك، وحصد خيبات الأمل المتوالية.

هذا بالضبط ما يتكرر فلسطينياً في موضوع الاجتماع الدولي الذي دعت لعقده الولايات المتحدة الشهر المقبل. في البداية، تخوف فلسطيني واضح من عدم وضوح ماهية ومضمون هذا الاجتماع، والإصرار على ضرورة أن يتم الاتفاق مسبقاً على مدعويه، وأجندته، وآليات التنفيذ الملزمة لما يتمخض عنه من اتفاق. وبالتالي، على ضرورة أن يتم التوصل إلى اتفاق مسبق مع “الإسرائيليين” على جوهر قضايا الحل النهائي قبل التوجه إلى هذا الاجتماع. هذا كان الهدف من عقد لقاءات عباس- اولمرت من وجهة النظر الفلسطينية التي تباينت تماماً مع الموقف “الإسرائيلي” الذي أصر على التوصل فقط إلى إعلان مبادئ عامة حول أسس التسوية النهائية دون تفاصيل وأجندة زمنية مُلزِمة للتنفيذ. ووصل الأمر بالموقف الفلسطيني أن يُعلن عن التشكيك بجدوى عقد هذا الاجتماع إن لم يتم التوصل المسبق من “الإسرائيليين” لمثل هذا الاتفاق.

بالطبع، ما لبث الموقف الفلسطيني أن تغير ليوائم الرغبة الأمريكية ويتساوق مع الموقف “الإسرائيلي”. يخرج علينا المسؤولون الفلسطينيون حالياً بتصريحات “متفائلة جداً” أن ما يجري الآن بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” يتعلق بالتوصل إلى “إطار عام”، وأن التفاوض حول القضايا الجوهرية سيتم مباشرة بعد عقد الاجتماع الدولي، وأن اتفاقاً نهائياً سيكون ممكناً بغضون ستة أشهر بعد ذلك! لقد تم تبني الموقف “الإسرائيلي” تماماً، ولكن للتغطية على ذلك تشاع أجواء من التفاؤل المؤجل وتُرفع التوقعات حول المستقبل الغامض الآتي بعد عقد الاجتماع الدولي. وكأن الجانب الفلسطيني لم يتعلم الدرس الذي تكرر حتى الآن مراراً.

هل يمكن الوثوق ان هذه المرة ستختلف عن سابقاتها من التجارب التفاوضية الفلسطينية المريرة مع “الإسرائيليين”؟ وما الذي تغير موضوعياً لمصلحة الجانب الفلسطيني كي يُشاع التفاؤل بإمكانية حدوث مثل هذا الاختلاف؟ أم أن التعويل الفلسطيني أصبح ينصب الآن في خانة أن الإدارة الأمريكية والحكومة “الإسرائيلية” أضحتا، لأسبابهما الذاتية الخاصة، مضطرتين وجاهزتين للتوصل مع الفلسطينيين إلى تسوية مرضية تراعي مطالبهم، وليس على فرض تسوية عليهم وفق الشروط “الإسرائيلية” والاعتبارات الأمريكية.

واهم من يعتقد أن الوقت الآن مواتٍ للفلسطينيين لعقد تسوية ملائمة مع “الإسرائيليين”. فالوضع الفلسطيني في أوهن أحواله. انقسام سياسي وجغرافي عنيف بين الضفة وقطاع غزة، أوضاع اجتماعية واقتصادية منهارة، إجراءات متواصلة لتفتيت وتقييد الوجود الفلسطيني في القدس والضفة، واستمرار تآكل شبكة الإسناد والتأييد العربية والدولية للفلسطينيين. السؤال يصبح: على ماذا إذاً يعتمد الجانب الفلسطيني لتغيير ميزان القوى في علاقته بالمحتل “الإسرائيلي”؟

قد يُظن أن الإدارة الأمريكية استوعبت أخيرا ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية على أساس أنها أمّ جميع القضايا الشائكة التي تواجهها الولايات المتحدة في المنطقة، ابتداء من العراق وأفغانستان، وما يسمى بالحرب على الإرهاب، مروراً بسوريا ولبنان، وصولاً بطبيعة الحال إلى إيران. حتى لو تم الافتراض أن هذا الاستيعاب قد تم، وهناك شكوك أكيدة حول ذلك، فإن الإدارة الأمريكية تقضي بقايا مدتها في البيت الأبيض واهنة، تواجه معارضة داخلية متنامية، ومن دون وجود أي دليل على تغير دعمها اللامحدود ل”إسرائيل”. قد تكون هذه الإدارة استوعبت أن عليها تحريك مسار التسوية السياسية مجدداً بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”، لكن من الواضح أنها لا تملك الرغبة أو القدرة على فرض التسوية التي ينشدها العرب والفلسطينيون على “إسرائيل”. لو أن الأمر مختلف لكانت المبادرة العربية أقصر وأسهل الطرق لتحقيق ذلك، لكن إفراغ هذه المبادرة من مضمونها وتخطيها يشكل أحد الأهداف الأمريكية الأساسية من عقد الاجتماع الدولي.

أما بالنسبة لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” المُعول عليه لإحداث الاختراق في جدار التسوية، فهو ليس فقط ماضياً في استكمال بناء جدار الفصل والعزل داخل الضفة، بل يصارع على مستقبله الخائر داخل أوساط حزبه وحكومته، ومع المعارضة. يحتاج أولمرت لشراء الوقت للبقاء، وبالتالي فهو بحاجة لتحريك مسار التسوية ليلهي به جميع معارضيه، ويحرف الانتباه عن ضعفه وسوء إدارته وقضايا الفساد المتهم بها. هل هو معني شخصياً بالتوصل إلى تسوية، أو قادر على تحقيق ذلك؟ الجواب طبعاً بالنفي الأكيد. فلا فكره الأيديولوجي أو قدرته السياسية يؤهلانه لذلك. على الجانب الفلسطيني ألا يدخل نفسه مجدداً في متاهة توزيع الآمال العراض ورفع التوقعات من الاجتماع الدولي. فالدلائل جميعها تشير إلى محدودية ما يمكن أن ينتج عن هذا الاجتماع ما دام الجانب الفلسطيني عاد ووافق على المشاركة غير المشروطة به. ولكي يتوقف المسؤولون الفلسطينيون عن اللعب بمشاعر الشعب المنهك من كثرة انهيار الآمال والتوقعات، عليهم الاعتراف لأنفسهم ومصارحة مواطنيهم بأن التسوية المعروضة كانت ولا تزال، بالشروط “الإسرائيلية”. وهذه الشروط ثلاثة: عدم العودة إلى حدود عام ،1967 وعدم إعادة القدس الشرقية بالكامل، وعدم قبول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى “إسرائيل” بأي شكل من الأشكال. إذا قبل الفلسطينيون بهذه الشروط تصبح التسوية ممكنة. إذا رفضوا فسيكون أكثر ما يستحصلون عليه هو تحريك مسار التسوية التي ستشغلهم ب “ساحة تفاوضية” جديدة وتشغل بهم الفضائيات.

المهم ليس التوهان جراء الجري وراء السراب، وإنما إيجاد والتقاط الماء. حتى الآن لم يلتقط الفلسطينيون من مسيرة تسوية سياسية استمرت لمدة خمسة عشر عاماً أي نقطة ماء، فهل سيستمرون في اللهاث جرياً وراء السراب، وتغطية ذلك بالمضيّ برفع الآمال والتوقعات؟
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018