أسئلة مُلحّة بعيدًا عن شليط/ عبير بكر


لقد جرى التعامل مع قضية هجوم عسكري وحشي مُسلح ليلي على سجناء نيام عزل كأمر طبيعي، ولم يُثر حتى السؤال البديهي حول الداعي لمثل هذا الهجوم الليلي، طالما نتحدث عن سجناء قابعين في منشآت السجون طوال اليوم، وباستطاعة سلطات السجون "مفاجأتهم" في أيّ وقت في النهار. وكيف يمكن إجازة استعمال أسلحة تستعمل في الحقل لتفريغ المظاهرات ضد أشخاص موجودين داخل خيم مغلقة في ظروف بعيدة كل البعد عن ظروف ميدان مفتوح؟ وكيف يمكن تفسير مقتل سجين وجرح العشرات حينما نتحدث عن هجوم أكثر من 500 جندي على 1000 شخص، أي معدل جندي مسلح واحد على شخصين عزل نيام؟ وما هو نوع الأسلحة التي استعملت ولماذا يتم التكتم عليها حتى الآن؟ كيف يمكن أن يمرّ المستشار القضائي للحكومة مرّ الكرام على مقتل سجين بيد السلطة التي يخضع لها، علماً أنّ الأمر يستوجب فتح تحقيق جنائي على الفور، أو على الأقل ممارسة صلاحيته بطلب تحقيق على يد قاض؟ ولماذا يتم الاكتفاء بلجنة فحص شكلية داخلية عينتها إدارة السجون، في حين أنّ ما يجب فحصه هو قصورات مصلحة السجون الجنائية والإدارية؟ وما هو الداعي أصلاً لتعيين لجنة فحص داخلية ما دامت مصلحة السجون مُصرّة على أنها عملت وفق صلاحياتها، لا بل لم تأسف حتى على مقتل السجين محمد الأشقر؟

كل هذه الأسئلة الموضوعية لم تُثَر ولم يتحفظ أحد من صحة رواية مصلحة السجون التي لاقت تغطية واسعة في الإعلام الإسرائيلي، في الوقت الذي لم تُسمع فيه رواية السجناء التفصيلية لما حدث، بسبب التقييدات العديدة والتعتيم الذي وضعته مصلحة السجون على الموضوع.

تشكل خطوة تعيين قاضٍ مُحقق لبحث المسؤول القانوني عن مقتل المرحوم محمد الأشقر خطوة قانونية جيدة وحتمية، غير أنها غير كافية بتاتاً. فالتساؤلات العديدة المطروحة حول حيثييات الحدث نفسه تلزم إقامة لجنة تحقيق مستقلة يتم فيها بحث الخروقات القانونية لمصلحة السجون ومسؤولية أفرادها على المستوى الجنائي والإداري. ويتوجب على مثل هذه اللجنة أن تتعامل مع الحدث من خلال ربطه بكل أساليب القمع التي تستعمل ضد السجناء السياسيين وانتهاكات حقوقهم الأساسية داخلها. الطابع الذي اكتسبته مواجهة السجناء للتفتيش الليلي المستفز لم يأتِ من فراغ، بل من تراكمات عديدة لممارسات وحشية ضدهم، التي آن الأوان لبحثها بشكل جديّ وشامل.

كما يجب البحث في ضلوع أفراد وحدة "متسادا" ونوع الأسلحة المستعملة، بشكل علني وجديّ، ولا يُستبعد أن تكون هذه الوحدة قد افتعلت هذا الهجوم على السّجناء من أجل فحص تجريبي لأسلحة جديدة في حيازتها، تمامًا كما فعلت في السابق لقمع المتظاهرين ضد جدار الفصل العنصري في بلعين.

مما لا شكّ فيه أنّ مقتل السجين المرحوم محمد الأشقر وتجاهل السلطات والإعلام الإسرائيلي، هما جديان، وخطورة ما حدث يكشف لنا النقاب مُجدّداً عن العقلية الإسرائيلية تجاه الفلسطيني عامة والسجناء خاصة. فتسليط الضوء على القضية لم يكن من الجانب الحقوقي الانساني لما حدث، بل لأبعاده على الأمن الإسرائيلي وحياة الجندي شليط.

هذه هي بالضبط المنظومة الإيديولوجية التي ترى في الفلسطيني -كونه فلسطينيًا- خطرًا وجوديًا من دون أيّ سياق بشريّ-إنسانيّ أو واقع سياسيّ مُعاش، ومكانه من وراء الجدران والأسوار، وفي الخيم وخلف القضبان. ويتحوّل بهذا الواقع الفلسطيني المُعاش سواء داخل السجون أم خارجها إلى غرض جامد، يتم التعامل معه من باب تشكيل الخطر على الذات الفردية والجماعية الإسرائيلية، ليس إلا.

(الكاتبة هي محامية؛ البرنامج القانوني لحقوق السجناء، كلية القانون- جامعة حيفا)


تثير قضية مقتل الأسير محمد الأشقر وجرح العشرات من الأسرى الآخرين، العديد من الأسئلة التي ما زالت مفتوحة وتستوجب التحقيق الجديّ. فانشغال الإعلام والسلطات الإسرائيلية بأبعاد هذا الحدث على محادثات السلام المخططة في "أنابوليس" ومدى تهديده على حياة الجندي جلعاد شليط، أبعدا الأنظار عمّا يجب التحقيق به أولا، وإثارة الأسئلة حوله. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018