نحو عقد المؤتمر الوطني الشعبي للقدس../ يونس العموري*

مرة أخرى نحاول قرع جدران الخزان فيما يخض القدس وقضاياها، ومرة أخرى نحاول أن نكشف اللثام عن الكثير من الحقائق التي باتت جزءا من المشهد العام للقدس حيث تصارع وتيرة الاحتلال وفعل التهويد والأسرلة، على طريق تغيير معالم المدينة وإحالتها بالتالي إلى مدينة إسرائيلية يعيش بأطرافها أقلية قومية عربية، بطابعها الإسرائيلي اليهودي وفقا للمخططات الإستراتيجية اليهودية الطابع، وهو ما تؤكده كافة الوقائع على الأرض، وما تشير إليه أيضا تلك السيناريوهات السياسية المطروحة من قبل الكثير من السياسيين الإسرائيليين، والتي أضحت تعج بها الساحة الإسرائيلية الحزبية، بل إن قضية القدس قد صارت واحدة من أكبر القضايا التي من الممكن استعمالها واستخدامها في فعل المزايدات بين كافة الأحزاب الإسرائيلية المتنازعة على السباق الإنتخابي البرلماني الإسرائيلي.

وعلى هذا الأساس وكون القدس تشكل واحدة من أعقد قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومن خلالها يمكن صناعة ما يسمى بالسلام، والإمعان بفعل تهويدها واستهداف مقدساتها وبشرها وحجرها سيقوض صناعة التسوية العربية الإسرائيلية... مما يعني أنها ستبقى نقطة الارتكاز الأساسية في فعل الصراع والتصارع وهذا أيضا ما أكدته كافة الأحداث بتاريخ الصراع الحديث.

إلا أن السؤال الجوهري الذي يبقى مطروحا دائما.. ويشكل واحدا من أهم وأبرز الأسئلة التي تطرح من جانب الكل الوطني المقدسي، والمتمثل بماهية دور الحركة الوطنية في القدس على مختلف تشكيلاتها وتنوعاتها... بهدف وقف الإنهيار الحادث في المفاهيم البنيوية للقدس وفي تغيير المعالم السياسية والأساسية للقدس.... حيث الإعتقاد السائد أن ثمة غيابا وتغيبا واضح المعالم للفعل الوطني المقدسي وعلى مختلف المستويات والصعد، بل إن الساحة الوطنية المقدسية قد أضحت فارغة من العناوين الوطنية ذات الطابع المؤسساتي التي من الممكن أن يلجأ إليها المواطن المقدسي أو تلك التي من الممكن أن تشكل العلامة البارزة في الحياة المقدسية، على غرار تجربة بيت الشرق... مما يعني تراجع دور الحركة الوطنية في القدس والتي تم استبدالها بما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني على أهمية الدور المنوط بهكذا مؤسسات (وهو ما تؤكده التشكيلات الوطنية للفعل المقدسي والتي كان آخرها تشكيل اللجنة الوطنية العليا لاحتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009 حيث الاستثناء الواضح للحركة الوطنية)، إلا أنها لا تستطيع أن تحتل مكان الحركة الوطنية أو تنفيذ مهماتها... ومن هنا يأتي التقصير والتراجع في دور الحركة الوطنية الذي ربما لا أجد له مبررا فعليا ومقنعا، مع العلم أن الحركة الوطنية في القدس كانت على الدوام هي التي قود المؤسسات الوطنية، وهي التي كانت توجهها بل تحدد أولويات قضايا القدس وفعلها الميداني على الأرض... الأمر الذي خلق التفافا جماهيريا وحضورا شعبيا قويا حول الحركة الوطنية ومؤسساتها كان من الصعب على الإحتلال في ظل تلك الوقائع تجاوز فعل الحركة الوطنية، بل إنها قد صارت جزءا من المشهد المقدسي العام في المزاج الشعبي وفي المزاج العام لجماهير القدس..

إلا أن الصورة وبالظرف الحالي تختلف تماما ومتعاكسة أيضا في ظل الواقع الجديد للقدس كما أسلفنا.... وانطلاقا من الوقائع المقدسية الراهنة، وفي ظل الحقائق التهويدية الإسرائيلية للقدس، وحيث أن القدس المحتلة قد فقدت مؤسساتها أو أن مؤسساتها قد أفرغت من مضامينها بفعل عملية التهجير والإغلاق، ومطاردة الفعاليات الوطنية فيها وتضييق الخناق على كافة الأنشطة لدرجة منعها، فقد أصبحت مدينة القدس مدينة إسرائيلية محتلة تتصارع فيها خطوات الأسرلة والمصهينة بأقصى الدرجات، وهو ما شكل ويشكل نجاحا ملحوظا للجانب الإسرائيلي، وهو ما يتضح يوما بعد يوم.... بل إن قتل الحياة العربية الفلسطينية في القدس بكافة أشكالها قد أصبح سيد المشهد العام للقدس... فلا يمكننا اعتبار أن ثمة تفاعل حيوي عروبي فلسطيني وطني في القدس يعكس نفسه على المواطن العادي ورجل الشارع من الممكن أن يستشعره الكل الشعبي في القدس.. مما يعني أن الحضور الحياتي العربي بضواحي القدس وفي قلب القدس ذاتها يقتصر فقط على الوجود العربي دون أن يشكل هذا التواجد أي شكل من أشكال الروافع الوطنية التراكمية ذات الأبعاد الإنجازية لقضايا القدس، وهو ما يعتبر أيضا تراجعا في المزاج الشعبي الوطني العام في القدس...

وانطلاقا من هذا كله أرى أن ثمة ضرورة ملحة وحاجة وطنية تشكل أولوية من أولويات الفعل الوطني للحركة الوطنية في القدس لتجديد التواصل والتفاعل بين كل الهيئات والقوى والمنظمات والشخصيات المناصرة لقضية القدس خصوصاً، بهدف إعادة الاعتبار لجهود الحركة الوطنية ولاستنهاض دورها ورياديتها ولدور المنظمات الأهلية والمدنية التي تعمل لخدمة القدس وقضاياها. وذلك من خلال التئام المؤتمر الوطني الشعبي للقدس.

حيث أصبح انعقاد المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ضرورة وحاجة وطنية ملحة بل أولوية من الأولويات الأساسية للفعل الوطني في القدس لمعاودة الإمساك بزمام المبادرة ولخلق حالة التفافية جماهيرية شعبية لا تقبل التأويل أو التفسير إلا بتفسيراتها الوطنية وفقا للمعايير الثوابتية للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني للقدس وعلى القدس...

ولتحقيق مثل هذا التواصل والتفاعل لابد من التأكيد على الطابع الإنساني والعالمي لقضية القدس، عاصمة السلام المقدسة، ولقضية فلسطين التي يشكل انتهاك حقوق شعبها انتهاكاً لكل المواثيق والشرائع والقرارات الدولية والإنسانية، ومثل هذا التأكيد لا يكتسب أهميته من كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني فقط، بل أيضاَ من ضرورة تطوير الخطاب الفلسطيني والعربي والإسلامي بما يمكنه من التأثير على المستوى الدولي.

ولذلك اعتقد أن المؤتمر الوطني الشعبي العتيد لا بد أن يشكل علامة فارقة وبارزة وكنقطة انطلاق لاستنهاض البرامج الوطنية في القدس بروافعها الشعبية... ولهذا لا بد لهذا المؤتمر من أن يؤكد على الأتي:

1- تثبيت مبدأ الأحقية التاريخية للشعب العربي الفلسطيني في القدس وعموم فلسطين.

2- التأكيد على أن القدس ومقدساتها إرث إنساني (ديني وثقافي وحضاري وتاريخي) يتطلب الدفاع عنها من قبل الإنسانية جمعاء.

3- التأكيد على أن الاحتلال لا يثبت بالتقادم وكذلك أفعاله من تهويد واستيطان وطمس للهوية العربية والإسلامية والمسيحية.

4- تبني مشروع شامل للتحرك الإنساني لتكريس الحق العربي في القدس وجميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومواجهة مخططات التهويد والتمييز العنصري والتطهير العرقي.

5- تعزيز التفاهم الإسلامي المسيحي حول القدس، وتعميق العمل المشترك لصون مقدساتها الإسلامية والمسيحية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018