الحزبية في المغرب بين النقد والعدمية السياسية../ د.عبد الإله بلقزيز

على الرغم من أن تاريخ الحزبية السياسية في المغرب قديم نسبياً، بحيث تعود بداياته إلى ثلاثينات القرن العشرين الماضي، وأن تقاليد العمل الحزبي رسخت في الأوساط المدينية وداخل الطبقة الوسطى منذ خمسينات القرن الماضي، وعلى الرغم من أن بعض الأحزاب السياسية نهض بأدوار تاريخية في البلاد (“حزب الاستقلال” في العمل الوطني ضد الاحتلال و”الاتحاد الاشتراكي” وحلفائه في النضال الديمقراطي) وكاد - بسبب ذلك - يحتكر التمثيل الوطني، ثم إنه على الرغم من مسلسل التضحيات الكبيرة التي قدمها الوطنيون والديمقراطيون من خلال أحزابهم وتنظيماتهم: شهداء ومعتقلين ومنفيين ومشردين.. على الرغم من ذلك كله، ومما يبدو على بنيان هذه الحزبية من صلابة وتماسك في مواجهة أحكام الزمن وحملات القمع التي لم تنقطع منذ الثلاثينات وحتى مطالع التسعينات، مازال يعتري الجسم الحزبي في المغرب الكثير من العلل والأمراض التي لم تقع معالجتها على النحو الصحيح الذي به تصح أبدان الأحزاب، ويتفتق فكرها على إبداع سياسي منتج، ومازالت تعاني من ظواهر سلبية نظير ما تعانيه السلطة نفسها أو يزيد. والنتيجة أن تراكم هذه الحالات المرضية فيها يأكل من رصيدها في نظر الجمهور وينال من صدقيتها ومن تمثيليتها، وهو ما بات يملك المرء أن يعاينه من وقائع التدهور المروع في شعبيتها، ومن الحصيلة المتواضعة من مكاسبها في المنافسات الانتخابية كما في الأخيرة منها (7 سبتمبر/أيلول 2007) على نحو خاص.

كان لا بد من هذه المسلَّمة لكي نتأدَّى منها إلى القول إن الذين يدافعون عن ضرورة الحزبية والأحزاب للحياة السياسية وللديمقراطية - وكاتب هذه السطور منهم - لا يعانون من نقص في الحس النقدي لديهم وهو يقرأون الحالة الحزبية في المغرب، ولا هم صرعى نزعة اعتصابية تتعصب للأحزاب أنّى ذهبت رياحها وأياً كانت أحوالها لمجرد إرضاء الشعور بالانتصار للأهل وذوي القربى ظالمين كانوا أو مظلومين، بل قد تكون “مشكلة” هؤلاء المدافعين عن الحاجة إلى الحزبية والأحزاب أنهم يعانون من إفراط في الحس النقدي لديهم وهم يطالعون مشهد الحزبية في المغرب، ويقاربون أوضاعه من مواقعهم المتطلبة جداً، وقد يكون بعضهم - وكاتب هذه السطور منهم - ممن لم يتشرف بالانتساب إلى أي من تلك الأحزاب الوطنية والديمقراطية. غير أن الإيمان الشديد لديهم بحاجة الديمقراطية إلى السياسة والاختلاف والتدافع السلمي والحضاري، تؤسس في وعيهم فكرة الدفاع عن الحزبية بوصفها دينامية لا مهرب منها نحو إنتاج حياة سياسية حقيقية ومستقرة واستيلاد لحظة نهوض ديمقراطي قابلة للاستمرار والتراكم.

ما أغنانا عن القول - إذن - إن الفارق وسيع بين فاعلية نقد الحزبية والأحزاب السياسية وبين نقضهما. تكون الأولى مشروعة في الأحوال جميعاً، وهي - أحياناً ما تكون - ضرورية لأن العمل السياسي، في أمسّ الحاجة إلى أن يقرأ نفسه في مرأة النقد: كي يصحح أخطاءه ويصوب خياراته، أما نقض السياسة والحزبية، فلا شيء يقترحه على المجتمع والدولة سوى الفراغ، ويقيناً أن السياسة - مثل الطبيعة عند أرسطو - تخشى الفراغ. وكم من وطن أخذه الفراغ السياسي إلى حتفه!

من يتفننون في شحذ سكاكينهم وسواطرهم ويتلذذون بنحر الأحزاب السياسية والتمثيل بجثتها، إنما ينسون أنهم ينحرون السياسة والديمقراطية اللتين لا يجوز فيهما النحر والمثلة إلا إن كان الفاعل في جملة أعداء السياسة والديمقراطية، فأمره حينها خارج منطقة السؤال والالتباس. أما المحتسب نفسه في سلك الديمقراطيين وأهل السياسة، فلا يأتي هذا الفعل الانتحاري إلا متى كان غراً من الأغرار: ونحن نربأ بديمقراطيينا أن يكونوا من هذه النحلة. نعم - نكرر ثانية .. وعاشرة - أحزابنا ليست مقدسة بحيث تعلو على النقد وتتنزه عن المساءلة. فيها من الموبقات والنوائب والمفضحات ما تستحق عليه النقد الشديد الذي لا يداهن أو يجامل، ولا يترك صغيرة لا يلقي عليها ضوء المساءلة والمحاسبة.

لكن النقد فعل فكري حضاري وبنّاء في الآن عينه: حضاري لأنه يتوسل بلغة الفكر ومفاهيمه فلا يبتذل نفسه في عبارات لا تليق بصاحب رأي (لأنها لا تنتمي إلى مفردات الرأي وأهله)، وبنّاء لأن هدفه التصويب والتصحيح وافتتاح المقفل من الآفاق والمعتم، وليس تدمير هيكل السياسة على رؤوس الجميع: من ابتلاه الله بها ومن ابتلاه الله به.

في أحزابنا الكثير مما يدعو إلى النقد، بل ويوجبه وجوباً سياسياً ووطنياً: إن لم يكن عيناً على كل مواطن فبالكفاية من بعض منهم مختص. وإذا كان بعض تلك الأحزاب مما لا يعنينا شخصياً صلاح أمره أو استقامة خطه أو سعة تمثيله (ربما لأن ذلك لا يعنيه هو أيضاً)، فإن قوى اليسار والحركة الوطنية تعنينا إلى حد بعيد ولأكثر من سبب موضوعي وشخصي، يعنينا - وكان دائماً يعنينا - التفكير في أوضاعها الداخلية وفي أدائها السياسي: في ما تعانيه من محنة مزمنة علاقاتها التنظيمية الداخلية جراء انعدام حياة ديمقراطية حزبية، وتسلط أوليغارشيا بيروقراطية على القرار فيها، والحيلولة دون سيولة تدفق الأفكار والأجيال الجديدة في شرايين المؤسسة الحزبية، أو في ما تعانيه من تكلس فكري وسياسي ومن عجز فادح في التكيف مع متغيرات العالم والاجتماع والسياسة والفكر والاجتهاد في اجتراح أجوبة خلاقة على إعضالاتها المستجدة، أو في هشاشة تماسكها أو تمالك نفسها أمام إغراء السلطة إلى حد ركوب سياسات تجبّ تاريخها النضالي، وسوى ذلك من الظواهر المرضية التي دبت في عمران الحزبية المغربية وتنظيمات اليسار فيها على نحو خاص، والتي يسوغ معها أي نقد.

النقد حق فكري، وواجب اجتماعي ووطني، من دونه لا تكون سياسة ولا يستقيم لها أمر. لكن النقد شيء مختلف تماماً عن العدمية السياسية. النقد ينضج وعياً ويصقله، العدمية تنتج “وعياً” سطحياً، فارغاً، سلبياً، ولساناً سوقياً مبتذلاً يستعيض عن النقد بالشتم والسبّ وعن التشريح بالتجريح، وعن إرادة البناء بالرغبة في الهدم.

كلنا توقف عند نسبة المشاركة المتدنية في انتخابات 7 سبتمبر 2007 التشريعية وراعته هذه الحال المخيفة من العزوف عن السياسة وما تنطوي عليه من أخطار، هل تساءل أحد منا عن دور خطاب العدمية السياسية في هذا الذي جرى؟
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018