فشل مبكر لـ "الحَكَم النزيه"../ د.محمد السعيد إدريس

منذ عام 1948 قرر الكيان الصهيوني فك ارتباطه، وقطع علاقاته نهائياً مع منظمة الأمم المتحدة بعد أن حصل منها على أقصى ما كان يريد ويأمل، أي بعد أن حصل على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة عربية فلسطينية والأخرى يهودية، والسبب في هذه المقاطعة أن الكيان كان يخطط لتجاوز قرار التقسيم بالسعي إلى ضم وتهويد المزيد من الأراضي الفلسطينية. وكان يدرك أن كل ما سوف يقوم به لن يكون إلا اعتداءً وتجاوزاً للقانون الدولي ولقرارات سوف تصدر حتماً عن الأمم المتحدة، ولذلك كان التعامل “الإسرائيلي” المبكر مع الأمم المتحدة باعتبارها عدواً أو خصماً ليس محتملاً بل مؤكداً. من هنا كانت السمة الأساسية للعلاقة بين “إسرائيل” والأمم المتحدة هي “العداوة”، وكان الاعتماد “الإسرائيلي” على الولايات المتحدة و”الفيتو” الأمريكي في مجلس الأمن هو أهم قوى الدفاع “الإسرائيلية” عن كل ما تحققه الدولة اليهودية من مكاسب وتوسع وعدوان ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة ضمن مسعاها لإقامة “إسرائيل الكبرى”.

في عام 1948 حصل “الإسرائيليون” من الأمم المتحدة على قرارهم التاريخي وهو الاعتراف بقيام دولة “إسرائيل”، وكان عليهم بعد ذلك، إبعاد الأمم المتحدة نهائياً عن طريقهم، ثم الاعتماد على الحليف الأمريكي لتوظيف ما يتمتع به من حق الاعتراض “الفيتو” لوأد أي مشروع قرار لا ينسجم مع المصالح “الاسرائيلية”. كان عام 1967 هو ذروة هذا التنسيق الأمريكي - “الإسرائيلي”، فقد نجح الجيش “الإسرائيلي” في احتلال مساحات شاسعة من الأراضي العربية على رأسها كل ما بقي من فلسطين بعد قرار التقسيم، وكان على الأمريكيين تثبيت هذا الاحتلال والدفاع عنه، وهذا ما حدث من ضغوط أمريكية لعدم صدور قرار قوي عن مجلس الأمن يلزم “الإسرائيليين” بالانسحاب الكامل والشامل من كل الأراضي التي احتلوها في حرب الخامس من يونيو/حزيران عام ،1967 وبعد أن نجح الأمريكيون في إصدار قرار هزيل هو القرار 242 عملوا، منذ صدوره، على عدم تنفيذه.

تكرر هذا التنسيق عام 1991 في مؤتمر مدريد عندما أصر رئيس الحكومة “الإسرائيلية” الأسبق اسحق شامير على منع الأمم المتحدة من المشاركة في هذا المؤتمر بهدف إبعاد “الشرعية الدولية” نهائياً عنه وإلغاء دور الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عنها لمصلحة الشعب الفلسطيني، باعتبارها “المرجعية” الأساسية للمفاوضات، والإصرار على رفض أي شروط مسبقة من الأمم المتحدة للتفاوض مع الفلسطينيين، وجعل التفاوض المباشر، أي توازن القوى “الإسرائيلي” - الفلسطيني والدور الأمريكي مرجعية جديدة بديلة عن التفاوض، وهذا ما حدث فعلاً ولا يزال مستمراً حتى الآن وحتى اجتماع أنابولس.

لذلك كان مشروع القرار الذي تقدم به المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن زلماي خليل زاد لدعم مقررات اجتماع أنابولس خطوة أمريكية خارجة على السياق الطبيعي للموقف “الإسرائيلي” - الأمريكي الحاكم لعلاقة الأمم المتحدة بالقضية الفلسطينية خاصة والصراع العربي - “الإسرائيلي” على وجه العموم.

هذا المشروع الذي قدمه زاد حصل على “دعم ضخم” من مندوبي دول عدة في مجلس الأمن من بينهم مندوبو فرنسا والصين وقطر ومندوب إندونيسيا الرئيس الحالي لمجلس الأمن، لكن تحركاً ما حدث داخل المجلس أحدث ارتباكاً للمندوب الأمريكي، وفرض عليه سحب المشروع الذي كان من شأنه إعادة إشراك الأمم المتحدة كطرف مباشر في إدارة التفاوض القادم بين الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي” ومن ثم جعل قرارات سابقة صادرة عن الأمم المتحدة حاضرة ولو بشكل غير مباشر في العملية القادمة التي ستركز على تنفيذ اتفاقات اجتماع أنابولس.

الغريب أن سحب المشروع جاء من الأطراف الثلاثة الأساسية: الطرف الأمريكي والطرف “الإسرائيلي” والطرف الفلسطيني، فقد كشف مصدر مطلع داخل مجلس الأمن أن الخارجية الأمريكية “لا تريد أن يصدر شيء عن مجلس الأمن، لا قراراً ولا بياناً رئاسياً وهذا أمر طبيعي في ظل الحرص الأمريكي التاريخي على الاستئثار بإدارة الصراع العربي - “الإسرائيلي” للحفاظ على المصالح “الإسرائيلية”، ولذلك كان “الاستياء” الذي أبدته وزارة الخارجية الأمريكية من مندوبها زلماي خليل زاد، ولكن هذا الاستياء يثير الغرابة، إذ لا يعقل أن يأخذ زاد هذه المبادرة نحو مجلس الأمن منفرداً من دون استشارة وزيرة الخارجية رئيسته المباشرة ورئيسة اجتماع أنابولس، لكن الأغرب هو الموقف الفلسطيني الذي رفض هو الآخر مشروع هذا القرار الذي كان سيؤمن مشاركة المنظمة الدولية في مجريات التفاوض القادم مع “الإسرائيليين”، وكان سيشكل رقيباً دولياً على أي تلاعب “إسرائيلي” سواء في الموعد المقرر لإنجاز كل الاتفاقات أي نهاية عام ،2008 أو أي تلاعب في الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وخاصة حق العودة والقدس وحدود الدولة الفلسطينية.

التفسير الوحيد هو خضوع الطرفين الأمريكي والفلسطيني للرفض “الإسرائيلي” المطلق لمشروع القرار وما يتضمنه من قيود سواء على موعد إنجاز مقررات أنابولس أو على مضمون التفاوض وما يتعلق بقضايا التفاوض النهائي، هذا الخضوع يعطي مؤشراً خطيراً إلى مستقبل التفاوض القادم وإلى كل ما حدث في أنابولس من توقعات وأمنيات، فهو يكشف الكثير من المخاطر: أولاً أن “إسرائيل” هي المتحكم في مجريات التفاوض القادم وليس واشنطن التي ستكون منشغلة في انتخاباتها وكوارثها في العراق وصراعها مع إيران.

وثانياً، أن هناك نية “إسرائيلية” مبيتة للتنصل من اتفاقات أنابولس والتلاعب بها ورفض أي تنازلات للفلسطينيين تتعارض مع الأمن “الإسرائيلي” ومصالح ومتطلبات هذا الأمن.

وثالثاً، أن الطرف الأمريكي قرر الانسحاب من كل ما كان يأمله الرئيس الفلسطيني من الصديق الأمريكي بأن يكون “الحَكَم النزيه” بينهم وبين “الإسرائيليين”.

ورابعاً، وهو الأخطر، أن الطرف الفلسطيني بات متهافتاً لدرجة الانصياع الكامل للمطالب والشروط “الإسرائيلية”، لدرجة أنه وافق على أن يكون شريكاً في رفض مشروع قرار يخدم المصالح الفلسطينية، ولعل هذا يفسر ما نشرته صحيفة “هآرتس” عما جرى بين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية رئيسة وفد التفاوض “الإسرائيلي” وأحمد قريع رئيس وفد التفاوض الفلسطيني، عندما تشدد في تحفظاته على وثيقة “التفاهم المشترك” بين تل أبيب والسلطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش قبيل افتتاح أعمال اجتماع أنا بولس. صحيفة “هآرتس” قالت إن ليفني خيرت قريع بين قبول هذه الوثيقة أو أن “يغرب عن وجهها”، وعندما رفض تدخلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس وسحبت رئيس السلطة محمود عباس من اجتماع مع بوش وأولمرت، ومارست ضغوطاً عليه لإقرار الوثيقة، وهو ما حصل حيث قام بإبعاد قريع واستبداله بصائب عريقات الذي وافق على كل ما تضمنته هذه الوثيقة من بنود. هذا الموقف لا يكشف مدى ضعف الطرف الفلسطيني فقط، لكنه يكشف أيضاً خيبة رهاناته على ذلك “الحَكَم النزيه” الأمريكي.
"الخليج"