لا، لن تنقلوا وطننا منّا../ زهير أندراوس

من نوافل القول الفصل إنّ العربي الفلسطيني الذي يعيش في وطنه، وليس في دولته العبرية، تحّول بفعل الممارسات العنصرية التي تبتكرها المؤسسة الإسرائيلية على مختلف أذرعها العلنية والخفية، إلى جسم مشبوه أو قنبلة تكاد تتفجر في كل لحظة. أصبحنا، نحن أصحاب هذه الأرض، بفعل سياسة التمييز العرقي التي تُنتجها وتُخرجها حكومات إسرائيل المتعاقبة، بمثابة "مخربين"(!) مع وقف التنفيذ.

ولا نُبالغ البتّة إذا جزمنا أنّ السلطات الإسرائيلية تُخطط بخبث ودهاء شديدين لتأجيج الصراع بيننا وبين الدولة حتى أقصى الحدود، بهدف تحضير التربة المُخصّبة لتنفيذ اعتداءات علينا من اجل تدجيننا وترويضنا، وهي السياسة التي فشلت منذ أيام الحكم العسكري في الستينيات من القرن الماضي، مروراً بيوم الأرض الأول في العام 1976 وانتهاءً بهبة القدس والأقصى في أكتوبر 2000 والتي سقط خلالها 13 شهيداً من شبابنا الأبرار بنيران الشرطة الإسرائيلية، سقطوا فعطّر دمهم الزكي تراب الوطن الغالي.

وها هي الدولة تُحّضر للاحتفال بيوم استقلالها الستين، ووصلت الصلافة والوقاحة بالمؤسسة إلى حد مُطالبتنا بالمشاركة في هذه الاحتفالات. كيف سنحتفل باستقلالكم وأنتم الذين أقمتم دولتكم على أنقاض أبناء شعبنا الذين شُردوا من أرضهم ووطنهم؟ وهي جريمة من أكبر الجرائم التي ارتُكبت في القرن العشرين.

وأمس الخميس أطّلت علينا صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بنبأ على صدر صفحتها الأولى يقول إنّ "عرب إسرائيل" يرفضون المشاركة في احتفالات الستين لإقامة الدولة.
أولاً وقبل كل شيء: لا نستغرب قيام صحيفة عبرية بالتحريض علينا، فطالما قُلنا وما زلنا نؤكد إنّ الصحافة العبرية على مختلف مشاربها هي صحافة بلاط متطّوعة وليست مجّندة لصالح ما يُسمى بالإجماع القومي الصهيوني، المبني على نفي الآخر.

ثانياً: على حكام إسرائيل أن يذوتوا الحقيقة الدامغة بأنّنا نعيش في وطننا وهذا الأمر ليس منّة من احد، بقينا هنا بعد أن اغتصبتم الأرض والعرض، تشّبثنا بكل حبة تراب من فلسطيننا الحبيبة بعد أن انتهكتم الشجر والحجر.

ثالثاً: نُقّر ونعترف أنّنا نحمل الهويات والجوازات الإسرائيلية، ولكن مع ذلك نُذكر من نسي أو تناسى بأنّنا وافقنا على هذا الأمر من منطلق "مكره أخاك لا بطل"، وليعلم القاصي والداني أنّ موافقتنا على حمل الهوية والجواز كان تنازلاً تاريخياً من قبلنا. هل تريدون أن يشارك الفلسطينيون في إسرائيل بمناسبة مرور ستين سنة على انتصار الجلاد على الضحية؟

رابعاً: ماذا مع المساواة المزعومة التي نصّت عليها وثيقة استقلالكم؟ لماذا لا تكتبون أنّ أول رئيس وزراء في دولتكم، دافيد بن غوريون، رفض أن يحمل الهوية الزرقاء لأنّه كُتب عليها بالعربية؟ لماذا لا تقولون للإسرائيليين إنّ شاعركم الوطني حاييم نحمان بياليك قال إنّني اكره اليهود الشرقيين لأنهم يشبهون العرب؟

خامساً: كيف تُريدون أن نحتفل معكم وانتم تُخططون لترحيلنا من أرضنا؟ هل تعتقدون أنّنا لا نفهم أنّ مُطالبتكم بأن تكون الدولة العبرية يهودية هي توطئة لطردنا من وطننا؟ لا يا سادتي، والله العظيم إنّنا نعلم علم اليقين بأنّ هذا المطلب هو المقدمة قبل الأولى لعملية ترانسفير ثانية.

سادساً: ومع ذلك نؤكد لكم ما قاله المناضل الثوري ألأممي والأبدي، تشي جيفارا، قبل عشرات السنين: قد يكون من السهل نقل الإنسان من وطنه، ولكن من الصعب نقل وطنه منه.
أخيراً وليس أخراً: نعم، بكل فخر واعتزاز وكبرياء وانتماء نقول لمن يُريد أن يسمع ولمن يرغب في صم أذنيه: استقلالكم هو نكبتنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018