قصص سياسية من أمريكا اللاتينية../ جميل مطر

في ديسمبر/ كانون الأول 2006 اجتمع عدد من زعماء أمريكا اللاتينية في مدينة كوتشابامبا ببوليفيا. وفي خطابه الافتتاحي طلب منهم الرئيس إيفو موراليس أن يقسموا جميعا على “إغلاق الشرايين المفتوحة” مستعيراً عبارة الكاتب المعروف ادواردو جاليانو، وكانت عنوانا لكتابه الذي صدر منذ سنوات. وكان الكتاب يحكي حكاية النهب المنظم للقارة على امتداد خمسة قرون، في ما عرف بالاغتصاب الذي جعل قارة غنية بالإمكانات تتحول إلى قارة فقيرة. وجاء موراليس إلى الحكم بوعد إغلاق هذه الشرايين التي يمر بعضها في بلاده. وقد حقق موراليس خلال مدة حكمه القصيرة إنجازات مهمة إلى أن تباطأ تنفيذ برامجه الاجتماعية وبدأت الأقلية البيضاء المنحدرة من أصول أوروبية تهدد بالانفصال وإعلان دولتها على أراضي الإقليم الشرقي الغني بالثروة.

وفي شيلي تتولى منصب الرئاسة باتشيليه، الطبيبة ذات الخطايا الأربع، فهي امرأة وماركسية وغير متدينة ومطلقة، صفات جميعها “غير لائقة” في مجتمع لاتيني متدين ومحافظ، ورغم ذلك تقود باتشيليه البلاد بنجاح بارز وإن بصعوبة، فالطبقة السياسية ما زالت منقسمة بين تيار “نيو ليبرالي” في الاقتصاد، واستبدادي في السياسة، وتيار ليبرالي وديمقراطي إصلاحي. الأول يريد استخدام القمع مثلما فعل الجنرال بنيوشيه واستعادة سيطرة التطرف في اقتصاد السوق ونفوذ المؤسسات الدولية، والآخر يريد مواصلة الجهود لتحرير الاقتصاد من مبالغات اقتصاد السوق وتجاوزات رأسمالية النهب واغتصاب ثروات الأمة.

وفي الأرجنتين، استطاع النظام الحاكم المحافظة على معدل الإصلاح السياسي والاقتصادي، ولم يتخل عن مسؤوليته في استكمال الإصلاح الديمقراطي. ولم تكن المسيرة سهلة في الأرجنتين كما لم تكن سهلة في البرازيل. وفي الحالتين تدخلت القوى الاجتماعية التي تضررت ضررا شديدا خلال مرحلة “النيو ليبرالية المتوحشة” وحاولت أن تمد أيديها إلى الحكومة لتساعدها في إصلاح مواقع الخلل والفوضى. ففي الأرجنتين مثلا احتل العمال المتوقفون عن العمل المصانع التي هجرها أصحابها حين هربوا إلى خارج البلاد مع أموالهم وأرباحهم وديونهم، وفي البرازيل قام نصف مليون فلاح بإنشاء جمعيات تعاونية لاستصلاح الأراضي غير المزروعة بسبب إهمال أو نزوح المُلاك أو التحول إلى المضاربات المالية.

وفي الحالتين، حالة الأرجنتين وحالة البرازيل، احترمت الحكومتان التزامهما بالديمقراطية وتداول السلطة، وجاءت كريستينا زوجة الرئيس كيريشنر رئيسة للأرجنتين على أكتاف الأحزاب الأقرب إلى الطبقة العاملة، وفي البرازيل استمر دي لولا رئيساً رغم انقسامات النخبة الحاكمة حول السياسات الاقتصادية وبخاصة بسبب تدخلات خارجية حول زراعة الذرة وغيرها من “محاصيل الطاقة”.

في هذه الدول الثلاث كما في غيرها من دول القارة، لم تخفت نبرة الاحتجاج على أمريكا، ولا أقول الكراهية لها، ويأخذ الاحتجاج شكلا متميزا وبناءً في بعض الحالات. ففي الناحية الاقتصادية حقق بعض دول القارة تقدما جيدا في اتجاه التكامل الاقتصادي والاستقلال عن المؤسسات الاقتصادية الدولية التي تتحمل الوزر الأعظم في خراب القارة. إذ قام مشروع “ألبا ALBA”، وهي الحروف الأولى من عبارة “البديل البوليفاري للأمريكتين”، كتجسيد لفكرة إقامة منطقة تجارة حرة كبديل للمشروع الأمريكي باتجاه إقامة منطقة تجارة حرة للأمريكتين. وقد ابتدع المفكرون الاقتصاديون الجدد في أمريكا اللاتينية الشعار التالي “من كل حسب ما ينتجه بأرخص تكلفة ولكل حسب ما يحتاجه” من دون اعتبار للأسعار العالمية التي تفرضها الشركات المتعددة الجنسية، وربما كان أكبر نجاح حققته دول أمريكا اللاتينية خلال السنوات الخمس الماضية هو المتعلق بكل ارتباطها بصندوق النقد الدولي، المعروف أن أمريكا اللاتينية وحدها كانت تحصل في عقد التسعينات على أكثر من 80% من قروض الصندوق بينما لا يزيد ما تحصل عليه الآن عن 1% من هذه القروض.

ويلفت الانتباه إلى أن الاحتجاج على السياسات الأمريكية أو الغضب منها في أمريكا اللاتينية يتصاعد كلما اتجهنا شمالاً، أي كلما اقتربنا من الولايات المتحدة الأمريكية. لاحظ مثلا أن كوبا وهي الأقرب هي الدولة الأشد غضباً والأسباب مفهومة تاريخياً وسياسياً وأيديولوجياً، وأن المكسيك هي الأكثر توتراً وقلقاً على المستوى الشعبي بسبب مشكلات الهجرة والإغراق السلعي وغطرسة السياسة الأمريكية وإجراءات الحرب ضد الإرهاب وضغوطها. ثم هناك نيكاراجوا، حيث حكم أورتيجا الرئيس الذي لا يمكن أن ينسى ما فعل به وبشعبه وحكومته الأمريكيون وعصابات “الكونترا” التي شكلتها وكالة الاستخبارات الأمريكية ومولتها بعائد الأسلحة التي باعتها أمريكا لإيران وكذلك بمعونات نقدية عربية. عاد أورتيجا غاضبا ومحتجا ولكن بسياسات لا توصف بأنها سياسات مواجهة معترفا بقدرتها على العودة إلى استخدام العنف والحصار والتخريب للإضرار به ونظام حكمه إن شاءت.

وفي دول أخرى تجاوز الحكام بعض الحدود اعتماداً على شعبيتهم بين الأهالي والنقص في شعبية الولايات المتحدة، ففي الإكوادور مثلاً لا يتوقف الرئيس قوريا المنتخب ديمقراطياً عن تذكير الولايات المتحدة بأنها إن استمرت في إلحاحها تمديد عقد إدارتها للقاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة مانتا بالإكوادور فسوف يطالبها على الفور بالسماح لبلاده بإقامة قاعدة عسكرية إكوادورية في ولاية فلوريدا الأمريكية. دفعته شعبيته إلى تصعيد التوتر مع واشنطن ربما ليكسب شعبية أكبر، ودفعته أيضا إلى طرح إجراء تعديلات دستورية تسمح له بالبقاء في الحكم مدة أطول من تلك التي ارتضاها لنفسه ولحزبه ولشعبه حين رشح نفسه لمنصب الرئاسة.

أتصور أن حاكم الإكوادور أخذ درساً من نتائج الاستفتاء الذي أجراه الرئيس هوجو شافيز في فنزويلا. ففي الحالتين، حالة شافيز وحالة قوريا، وربما ينطبق الأمر على إيفو موراليس وعدد آخر من زعماء أمريكا اللاتينية الذين تعهدوا الالتزام بالديمقراطية وتداول السلطة، وقد يحلو أو يزين لهم في المستقبل التنكر للالتزام بزعم أن الشعب الفقير لن يمانع ولن يعترض.

الشيء نفسه حدث مع بوتين في روسيا حيث دفع الإنجاز في مرحلة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي هؤلاء الحكام إلى إغفال الالتزام بالإصلاح السياسي. لقد تصور شافيز خطأ أن ما حققه للفقراء في بلاده، ولفقراء البلاد المجاورة، مبرر كاف ليجدد لنفسه في الحكم إلى عام 2050. غلبه الظن بأن وجوده الشرعي والمعقول حتى عام 2013 لن يكون كافياً لاستكمال مهمة بناء فنزويلا للقرن الحادي والعشرين. لم يعرف شافيز ولن يعترف، بأن إقدامه على خطوة الاستفتاء كان خطأ جسيما ونكسة لمسيرة الانتقال من مرحلة إرهاب الدولة والاستبداد في أمريكا اللاتينية إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحكم المستنير.

أقول لن يعترف شافيز، فقد سمعته في أعقاب إعلان هزيمته في الاستفتاء الأخير يكرر عبارة سبق أن تفوه بها في عام 1992 عندما فشل في انتخابات جرت وقتها، قال: “نعم فشلت.. ولكن إلى حين”.

مازلت أتمنى أن تتقدم مسيرة الإصلاح في أمريكا اللاتينية، ليس فقط لأنني أريدها أحسن حالا وأريد لشعوبها تقدما أوفر، ولكن أيضا لتنهض في وجه تجاوزات السياسات الخارجية الأمريكية فتدفع واشنطن إلى العودة للاهتمام بها باعتبارها الفناء الخلفي لأمريكا، وحينئذ قد تتوقف الولايات المتحدة عن التعامل معنا كفناء خلفي لها، وتحل عنا وتتركنا لحالنا.
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018