إسرائيل بين القوة المطلقة ، و خيال الضعفاء../ أبو علي حسن*

لم تزل الحملة الاعلامية السياسية الاسرائيلية المضادة لتقرير الاستخبارات الاميركية بشأن قدرات إيران النووية، تتواصل عبر اللوبي الصهيوني، وعبر الساسة الإسرائيليين، والإعلاميين والصحافيين في محاولة لإبقاء الضغط الأمريكي والغربي على إيران مستمرا، وتوفير مناخات إقليمية ودولية لضربة عسكرية ضد إيران بحجة أن التقرير ليس دقيقا و يفتقر إلى المهنية والمعطيات والمعلومات الكافية، إنما يعتمد على الإعتبارات السياسية الداخلية و الخارجية.

ورغم أن الدعاية الاسرائيلية تركز على أن الخطر الإيراني النووي هو خطر على العالم أجمع، إلا أن الحقيقة أن الغضب الإسرائيلي يعكس الأهداف الإسرائيلية المباشرة في المنطقة، التي تتمثل في الرغبة بتدمير قدرات أي قوة إقليمية تتجاوز القوة المحسوبة في منطقة الشرق الوسط، كما تعكس الوظيفة السياسية والأمنية التي تقوم بها اسرائيل لإبقاء المنطقة محطمة ومتخلفة ومضطربة ومنزوعة من عوامل القوة والمنعة.

وتعكس ثالثاً الخشية الإسرائيلية من تنامي القدرات التسليحية والمادية والنووية لأي قوة إقليمية مما يخلق ما يمكن أن يسمى بالعلم العسكري " التوازن الاستراتيجي " أو " توازن الرعب " أو " توازن القوى " وفي التوازن يكمن موطن الخلل في القوة الإسرائيلية، فالقوة الإسرائيلية مبنية على ضعف الآخر بالدرجة الأولى وليس على العامل الذاتي الإسرائيلي وحده...... ولكن التسويق الإسرائيلي لمدايات القوة الإسرائيلية حولها إلى قوة إطلاقية استثنائية، الأمر رسم صورة إسرائيل الداخلية والخارجية بأنها القوة الأعظم في المنطقة، والقوة القادرة على ردع أي جنوح عسكري أو منحى راديكالي سياسي يهدد المصالح الإمبريالية من جهة أو النفوذ المعنوي الإسرائيلي" الإرهابي " في المنطقة.

ورغم أن هذه الخشية الإسرائيلية من تنامي قدرات الآخر لعناصر القوة، إلا أنها لا زالت تتعايش مع صور القوة التي رسمتها لنفسها، ورسمها لها الضعفاء من العرب، من القوة الأعظم الى القوة القادرة، والمسيطرة، والمرعبة، جيشها الذي لا يهزم... الخ من مفردات التفوق و الدولة المختارة، كما الشعب المختار.

إن أي دولة تعتقد أنها بهذة المكانة من القوة، فإن سياسييها ومواطنيها تباعاً لديهم حالة " نفسية سيكولوجية " متشكلة من واقع مدرسة القوة والتفوق التي أنشأتها الدعاية الإسرائيلية المتزامنة مع الهزائم العربية، وتضخمت الذات الإسرائيلية إلى حالة من العظمة والقوة فالأجيال الإسرائيلية منذ قيام دولة اسرائيل لم تشهد إلا هزائم عربية على يد القوة الإسرائيلية وانتصارات للجيش الإسرائيلي، فإسرائيل في وجدان المواطن الاسرائيلي نشأت بقوة السلاح والتفوق العسكري، وألحقت بالعرب هزيمة عام 67 التي يعاني العرب من آثارها حتى اليوم، وأخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان بعد احتلاله عام 82 بقوة السلاح، وأجهضت الانتفاضة الأولى والثانية بقوة السلاح والبطش والقتل والتدمير، وتحول هاجس القوة في إسرائيل إلى حالة مرضية، تحتاج في كل مرة تواجه فيها ضعفاً، أن تثبت أنها الأقدر والأقوى عبر العدوان والحروب، وعبر التفوق في القدرات، والمعارك الميدانية، والدور الإستخباراتي والإغتيالات، والقدرات التدميرية في لبنان وفلسطين، وقوة اقتصادها، وقدرة سلاحها الجوي " كما حصل في تدمير المفاعل النووي العراقي ".

إننا أمام كيان مسكون بالقوة... ومأخوذ بإنجازاته، هذه الحالة تعكس نفسها معنوياً و سياسياً على القيادة الاإسرائيلية بحيث تتحول القوة إلى شعور تتضخم فيه الأنا السياسية، والشعور يتحول الى ممارسة و عنجهية، ما يدفع الساسة الإسرائيلين إلى تأكيد قوتهم عبر " استحقاق القوة " التي لا تبدو ولا تتمظهر إلا في الميدان والممارسة والمواجهة مع الآخر العربي، ولا تظهر في الإنطواء أو الحياد أو العيش في سلام مع الجار....

كما أنها تتجلى في الممارسة السياسية الداخلية والخارجية، ولما كانت إسرائيل نتاج قوة إستعمارية خارجية فقد وظفت هي أيضاً دورها وقوتها إقليمياً ودولياً بالعدوان، فلكل قوة استحقاق سياسي وعسكري، ولعل عقيدة الدفاع الإستباقي، والضربات الإستباقية " العدوان " ليس إلا استحقاقاً للقوة وتكثيفاً لها ضد الآخر، وهذا ما تترجمه اليوم الإدارة الأمريكية في المنطقة عبر حروبها و اعتداءاتها وفق هذه العقيدة.

وهذا هو حال كافة الإمبراطوريات الكبرى والعظمى عبر التاريخ، ما إن تنامت قوتها و تنامى شعورها بالقوة حتى تدير حروباً، وتتوسع وتخلق لها مجالاً حيوياً، عبر ضم أراضي الغير و تمارس القهر والاستلاب على الشعوب.

غير أن المسار التاريخي للقوى والكيانات السياسية لم يعرف "القوة المطلقة" ولم يشهد "الانتصار المطلق" أو "التفوق المطلق" كون القوة معيارا نسبيا، لا تقاس باللحظة الزمنية ذاتها، أو اللحظة المغلقة، إنما تقاس بالزمن المفتوح، أي أننا لسنا أمام معطى أبدي للقوة لأن الآخر المتعدد يبحث عن موقع له في مساحة الزمن، والمكان، الأمر الذي يخلق عملية معقدة من المزاحمة على مساحة القوة و النفوذ عبر الإمساك بالعديد من عناصر التفرد والقوة، وتنبع نسبية القوة ايضاً بالمقارنة مع الآخر، فلا قوة بدون آخر ضعيف، وكلما تنامت قوة الآخر كلما هبطت مكانة القوة المقابلة لها..

والقوة أيضاً نسبية بمساحة القوة ذاتها، وعناصرها ومصادرها، وعوامل استمرارها، فالاقتصاد المتطور، والصناعات المتقدمة، والتكنولوجيا الحديثة، والعتاد المتراكم، والناتج القومي، وحضارة الكيان، كلها مفردات من مساحة القوة، وكذا الموقع الجيوستراتيجي، والعمق الجغرافي عنواناً للقوة، بما يمثلانه من مجالات حيوية، كما أن النظام السياسي وطبيعته ومستوى ديمقراطيته وقدرته على التجديد والمروتة والسيطرة على الأمور يمثل عامل قوة.

في حين أن النظام السياسي المتخلف الديكتاتوري لا يملك إلا عامل قوة أحادي الجانب لا غير وفاقد لعناصر القوة الاخرى غيرالمادية، بيد أن الامساك بعناصر القوة والقدرة والتكتيك على استخدامها وتوظيفها وتباعاً القرار السياسي وصعود الارادة الوطنية كلها عناصر تفوق ومقدرة وسبق واقتدار.

واليوم نحن العرب أمام مشهد القوة الإسرائيلية واستحقاقها العدواني بمظهرها المادي "القوة العسكرية" والتي لا يؤكد على حضورها وفاعليتها إلا حالة الضعف المقابلة لها عند العرب مما يدفع اسرائيل إلى العربدة والعنجهية حتى في السياسة إلى الحد الذي تظهر نفسها أنها الدولة الأحرص على سلام العالم والأحرص من أميركا على نزع قدرات إيران النووية برغم نتائج تقرير المخابرات الأمريكية عن مستوى هذه القدرات.

فمتى يظهر العرب عناصر قوتهم الكامنة على مستوى الأمة بمادياتها واقتصادها وروحها الحضارية، ولعل مصدر القوة المفقود عند العرب المتمثل بالإرادة هو الأكثر ضعفاً وغياباً اليوم من مثيلاته من مصادر القوة الكامنة في الواقع العربي، وحينما يمتحن عنصر الإرادة في المواجهة يفقد الآخر المتغطرس الكثير من عناصر قوته المادية والآلة الحربية، وما حرب تموز عام 2006 التي شنتها اسرائيل على لبنان والمقاومة اللبنانية وصمود وانتصار الأخيرة وسطوع إرادة المواجهة وتجلياتها في الميدان إلا مثالاً على عدم وجود " القوة المطلقة " إلا في خيال الضعفاء........

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018