وداع بوتو../ ساطع نور الدين

هل كان يجوز للغرب ان يرسل امرأة للقيام بعملية انتحارية وبالتحديد في بلد اسلامي لم يحسم، كغيره من البلدان الاسلامية المضطربة، ذلك الجدل الفقهي حول جواز ارسال النساء الى الموت في ساحات القتال؟

الحساب اخلاقي اولا، قبل ان يكون سياسيا: واحدة من بنات النخبة التي انتجها الغرب، وتباهى بها، وارتقي بواسطتها الى مستوى التبشير بحقوق المرأة وحريتها وريادتها في مجتمعات لا تعرف عن نسائها سوى انهن آلات للجنس والانجاب، يستغلها الاجنبي بين الحين والاخر في دعايته ضد تلك الثقافة الاسلامية التي انتجت الارهاب من نصوص وتجارب باكستانية مشهودة.

كان يمكن لاي داعية اسلامي مهما كان ساذجا ان يتردد اكثر بكثير مما فعل الغرب عندما سمح للسيدة بنظير بوتو بالعودة الى موطنها، وكان يمكن ان يطلب منها المغادرة فورا بعد اول محاولة اغتيال تعرضت لها قبل شهرين، او بعدما تلقى المعلومات الاولى المؤكدة عن قرار اعدامها.. من قبل جهات يعرفها جيدا، او كان على معرفة وثيقة بها، قبل ان تنقطع الاتصالات في خضم حرب ما تزال تطرح اكثر من علامة استفهام.

لكن الغرب اصر على المضي قدما في التراجيديا الباكستانية حتى لحظة الذروة: السيدة النموذجية ترفع يدها مودعة الجمهور قبل ان تخر صريعة رصاص حاقد على كل ما كانت تمثله كأمرأة، وسليلة عائلة برجوازية وطنية مرموقة، واصغر واول رئيسة وزراء لبلد اسلامي لا يمكن لاحد ان يخطىء في هويته الدينية ـ السياسية. اسدل الستار على اسرة ذوالفقار علي بوتو، وارخي النقاب على نساء باكستان، ولم يعد امام المسلمات في العالم كله من خيار سوى الموت المؤجل.

قبل هذه النهاية المأساوية كان الغرب قد تسلى طويلا بالسيدة التي لمع اسمها في جامعاته الكبرى، في هارفرد واوكسفورد، ثم في وقوفها على قدميها اثر الاعدام الدرامي لوالدها على يد احد اعتى الحكام العسكريين الموالين لاميركا. كانت اعادتها الى باكستان ثم ايصالها الى رئاسة الوزراء في العام 1988 تعويضا عن تلك الجريمة المروعة التي هزت مشاعر العالم كله، ومحاولة لتجميل الصورة البشعة لذلك التحالف الغربي التقليدي، مع ثنائي العسكر ورجال الدين في بلاد السند، والذي كانت محصلته الافغانية فضيحة ظهور حركة طالبان.

على الدوام، كانت تلك المرأة اللامعة، مجرد تلوين جذاب للمشهد الباكستاني القاتم، يخضع لاحكام هذا التحالف ويتأثر بتقلبات العلاقة بين ضباط الجيش وحكام المساجد: امضت سنوات في الحكم، وسنوات في السجن، وسنوات في المنفى قبل ان تعود بنظير بوتو الى بلادها فقط لكي تقتل، ولكي يكون دمها قربانا جديدا يقدم على مذبح البحث الجاري حاليا في واشنطن ولندن عن سبل وضع قواعد جديدة للحكم تضم ذلك الجمهور الليبرالي العريض الذي خرج امس في وداع سيدته الاولى، يطرح سؤالا يمكن تعميمه في كل مكان من العالم الاسلامي والعربي: هل اصبح الانتحار عملا اخلاقيا؟
"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018