زيارة بوش للشرق الأوسط../ د.بشير الخضرا*

لا شك في أن زيارة بوش "للشرق الأوسط" لها أهداف متعددة يعرفها كثير من المتابعين للأحداث. ومهما تكن تلك الأسباب، على أهميتها، فالزيارة هي تكريس واحتفال بما أنجزه أبوه وهو من إعادة بلادنا العربية إلى عهد الاستعمار والتبعية.

فمبارك للعرب والعروبة "مباركات" بوش لقادتهم وسياسات قادتهم.
مبارك للعرب في القرن الحادي والعشرين القواعد العسكرية الأميركية في وسط البلاد التي كادت أن تصل للاستقلال والديموقراطية قبل ثلاثة عقود عندما كان هناك قادة يحسبون حساب شعوبهم.

مبارك للعرب عودة الاستعمار التام الذي يحرك كل طاقاتهم نحو أهدافه ولا يجرأ أحد أن يقول لا.
مبارك للعرب معلمهم وأستاذهم الجديد الذي أثبت جداراته في ذبح العرب والمسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين، ويرسي أسس عدم الاستقرار والانهيار في دولهم الأخرى كالسودان والصومال والجزائر وغيرها.

هنيئا لكم أيها العرب، فلا يجد بوش أي حرج في أن يتحدث من أية منصة عربية رسمية عن الحرية وحقوق الإنسان وعن الديموقراطية والعدالة، وهو أشرس من دمر كل هذه القيم في حياتنا، ومن أدى إلى فقدان ثقة الجماهير بالديموقراطية لأنها ارتبطت بدعواته المزيفة. لا يجد بوش أي حرج في إقرار غلبة إسرائيل وحقوقها وما حصلت عليه بالقوة، وبنفس الوقت يطلب من الفلسطينيين المزيد من التنازلات ويعتبر حماس والجهاد الإسلامي إرهابيين، وإيران هي المسؤولة عن زعزعة أمن الخليج والعالم، ويهاجم إيران الجارة الإسلامية الباقية إلى الأبد ويثير الفتنة بينها وبين العرب وهو في ضيافة العرب أنفسهم، ولا يجد من يقول له: نحن غير مسؤولين عن سياستك الخرقاء التي أدت إلى زعزعة أمن العالم والشرق الأوسط والخليج بشكل خاص، بينما هو يجد الملايين في بلاده من يقولون له ذلك وأكثر ويستعدون لتقديمه للمحاكمة بأكثر من تهمة.

هنيئا للعرب رقصات بوش معهم وهو يحمل السيف العربي ويؤيد ذبح الفلسطينيين في فلسطين لأنهم "إرهابيون".
مبارك للعرب تحولهم من قوة كان يحسب لها حساب وتعتبرها الدول النامية الأخرى قائدة في التصدي للهيمنة الأميركية إلى تابعين ينتظرون إملاءات من لا يضمرون لهم إلا السوء.
نحن نعلم أن الدول التي تملك البترول في العالم تصبح قوية ببترولها يخشاها الآخرون إلامن يملكون، البترول العربي، فقد تحول إلى سبب لاستعمارهم من جديد.

مبارك للعرب ضياع أي خطوط حمراء في سياساتنا العربية العربية وسياساتنا الخارجية، وضياع أي معنى للكرامة الوطنية أو القومية وحتى ما يسمى بمقتضيات "السيادة" الوطنية. أصبح الخط الأحمر هو الاختلاف عما تمليه أميركا، ولا نقول هو معارضة أميركا، لأن معارضة أميركا هي أكبر من تجاوز الخطوط الحمراء، فهي الوقوع في تصنيف "القاعدة" و"الإرهاب".

لقد أصبح من "الطبيعي" و"البديهي" أن يكون للمستعمر "الصديق" قواعد عسكرية رئيسية في أي بلد عربي وأن يقف هذا "الصديق" المستعمر على منصة البلد العربي المضيف ليقول متباهيا: نشكر هذا البلد العريق على استضافة قواعدنا العسكرية وأن يكون هو المقر لأسطولنا الخامس!

أيها القادة الذين كتبت علينا قياداتكم دون أن يكون لنا في ذلك حول ولا قوة! إن ما تقبلون به لأمتكم هو أكبر من أن يوصف بأنه وصمة عار، إنه جريمة في حق شعوبكم وأمتكم. إن لم تستطيعوا تأسيس النظم الرشيدة في بلادكم، فقد كان من المعول عليكم على الأقل أن تصونوا استقلالها. أما أن تعيدوا بلادكم إلى عهود الاستعمار وبنفس الوقت تفشلوا في بناء نظم الحكم الرشيدة التي تأتمر بتوجهات الشعوب وآمالها وآمانيها، فماذا تبقى لكم؟ ألا تعلمون أن ما تفعلونه تنفيذا لسياسات بوش وعصاباته هو الذي يثير استفزاز الشعوب ويؤدي إلى التطرف الذي يخوفكم منه المعلم بوش؟ ألا تعلمون حقا أن بوش ومنظماته الإرهابية هي التي زرعت الإرهاب؟ ألا تعلمون أن القاعدة هي مفيدة لأميركا وأن أميركا تستطيع أن تنهيها حين تقرر ذلك؟ ألا تدركون أن سياسات أميركا وتصريحاتها عن إيران قد أصبحت "فزاعة" ناجحة وناجعة جداً في جعلكم تنامون في أحضانها؟

وعلى الجانب الأخر من "خليجنا الإسلامي" (العربي-الإيراني) ماذا يحق لإيران أن تقول أو تفكر عندما ترى أن "جيرانها" العرب المسلمين قد تسببوا في تهديد حدودها ومياهها وأجوائها بمجرد السماح لقواعد المستعمر بأن تستقر على حدود إيران في الأراضي العربية؟ ماذا لو أن إيران أيام الاتحاد السوفياتي أصبحت سوفياتية وأحضرت قوات سوفياتية في جواركم؟ ماذا يمكن أن تقولوا أو تفعلوا؟ أليس هذا ما فعله العرب لإيران؟

يا سادتي! إذا كنتم مقتنعين أن ما تفعلونه هو تعبير عما تريده شعوبكم، ليتكم فقط توظفون شركة أبحاث استطلاع محايدة لتجري لكم استطلاعات لآراء شعوبكم لتعلموا ما ذا تفكر شعوبكم في تبعيتكم لبوش وأعمالكم المبنية على ذلك.
جربوا الثقة في شعوبكم والاعتماد عليها، ولن يكون هناك خوف من هيمنة أميركا ومن سياسات بوش.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018