غزة وعلم الاجتماع الاستعماري../ علاء العزة*

في أواخر ديسمبر الماضي أصدرت مؤسسة "مجموعة الأزمات الدولية" تقريرا تحت مسمى "داخل غزة: تحدي الحمائل والعائلات ". يبدآ التقرير مقدمته بالقول، وبصورة لا تخلو من السلطة المعرفية، بأن العائلات والحمائل القوية وعلى مدار تاريخ غزه قد لعبت دوراً تذبذب مع طبيعة السلطة المسيطرة. يستطرد التقرير في صفحاته إلـ 27 في وصف علاقة السلطة المسيطرة على القطاع مع العائلة من خلال سرد شبه سوسيولوجي لعلاقة العائلات التقليدية مع السلطة الاستعمارية البريطانية ما قبل عام 48 إلى علاقة العائلات من خلال "المخاتير" مع سلطة الاحتلال. ثم يضيف التقرير في جنباته وصفاً لعملية استخدام السلطة الفلسطينية للعائلات لبسط نفوذها على غزة منذ نشأتها في عام 1994. ومن ثم يستنتج التقرير بأن التحدي القائم اليوم أمام حماس - بعد ستة شهور من السيطرة على القطاع- هو دور العائلات والحمائل "القوية"، حيث أن هذه العائلات هي الوحيدة الخارجة عن سيطرة حماس التامة، وان هذه العائلات قد تشكل "بتحالفها" مع حركة فتح معارضة فعالة لسيطرة حماس واحتكارها للقوة في القطاع.

قد لا يختلف اثنان على حضور "العائلة الممتدة" أو "الحمولة" في المجتمع الفلسطيني، إلا أن توظيف الفهم الانثروبولوجي -الثقافي لذلك الحضور من أجل الوصول إلى استنتاجات سياسية يحمل في طياته خطورة معرفية- ابستمولوجية- وسياسية. تكمن هذه الخطورة على المستوى المعرفي في البعد الاستشراقي المتضمن في سياق التقرير، أي الاستشراق الذي يأبى النظر إلينا كمجتمعات سياسية حديثة. فالنظر إلى غزة من خلال مجهر "الحمائل" هو في الأصل نظرة "معرفية" استعمارية وعنصرية. حيث أن النموذج التحليلي المستخدم في التقرير يخلق تصوراً بأن "الحمولة" وعلاقات العائلات سواء في غزة المدينة أو في مخيمات اللاجئين هي مركز التحولات الاجتماعية. هذا الزعم المجزوء معرفياً لا يعدو كونه إعادة إنتاج للفهم الاستشراقي القائم على لا تاريخية وحدات التحليل السوسيولوجية، وكأن المجتمع الفلسطيني هو مجموعة من العائلات المتصارعة على النفوذ والسيطرة. أو أن الانتماء والهوية عند أفراد المجتمع لا تتجاوز العائلة أو الطائفة أو الجغرافيا المحلية.

هذه النظرة الفجة التي لا تقارب الواقع المعقد للمجتمع الفلسطيني بأي شكل يذكر ترتكز أساسا على منطق التصنيف الانثروبولوجي الاستعماري القائم على تقسيم المجتمعات المستعمرة إلى وحدات تحليل لا تاريخية، ثابتة المعالم، ومنفصلة عن غيرها. فمثلاً يقدم التقرير إمكانية خلق "تحالف" بين حركة فتح والحمائل- مع الافتراض بزيادة الوضع سوءاً في غزة- نقيضاً لسيطرة حماس. إذا ما أمعنا النظر في هكذا استخلاص يصبح الأمر مبكياً فالحزب السياسي الأكبر على الساحة الفلسطينية يتم النظر إليه كوحدة متجانسة ومعزولة عن العائلة. بالمقابل تعامل العائلة ليس كبناء اجتماعي متغير وإنما كصفه ثابتة وراسخة على مدى التاريخ. إن هكذا طرح يتطلب منا أن ننظر بعين الريبة إلى هكذا إصدارات من اجل الخروج من أزمة استدخال الاستشراق في فهمنا لذواتنا.

إن نقد هذه الرؤية يتطلب طرح مجموعة من الأسئلة، على سبيل المثال: من يشكل عناصر الحزب السياسي في فلسطين؟ وكيف يمكن المزاوجة بين وحدة تحليل اجتماعية محلية بطابعها كالحمولة مع الحزب السياسي الوطني/فوق المحلي بطابعه؟ ثم أين الأفراد من هذه المعادلة؟ وأخيرا وهو الأهم ماذا عن مقاومة الاحتلال ومشاعر الانتماء الوطني والديني؟ أين الطبقة والمجتمع المدني من هكذا تحليل؟ الخ...؟

بالطبع لا إجابات لهذه الأسئلة في هذا التقرير سواء كان الأمر مقصوداً أو غير مقصود، إلا انه وكما يعلمنا منهج تحليل الخطاب، إن كل سردية، وخاصة السرديات المدعية للعلمية والموضوعية، تحمل في طياتها خطابات مغيبة بشكل قصري ممنهج. هذا الإقصاء الممنهج بالأساس ذو هدف سياسي. والمقصود هنا الخشية من إعادة قولبة المعرفة الاجتماعية من اجل خدمة هدف سياسي. ومن هنا تتأتى الخطورة السياسية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، في العام 1976 قررت سلطات الاحتلال تنظيم انتخاب بلدية في الأراضي المحتلة، حيث يذكر بيني موريس في كتاب الحروب السرية لإسرائيل أن مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي للشؤون العربية أعطى تقديراته بان نتائج تلك الانتخابات بالضرورة ستفضي إلى فوز مرشحي العائلات "كون العرب عشائريين ولا وزن للحزب السياسي في فهمهم للأشياء." على عكس ما توقع الاحتلال فاز مرشحو منظمة التحرير بمعظم البلديات. وهذا ما ينطبق على ما وقع في السنوات الماضية حيث فازت حركة حماس بالانتخابات كحزب سياسي وخسرت فتح كحزب سياسي. لذا يجب أن نركز على الطبيعة السياسية لما حدث ويحدث في غزة، فالحمولة نعم ساهمت وكان لها دور في الواقع الاجتماعي اليومي في فلسطين إلا أن دورها لم يأخذ أي بعد سياسي في يوم من الأيام. وحتى في مرحلة ما قبل النكبة، التي شهدت وجود أسماء سياسية من عائلات كبيرة، فإن الشرعية السياسية كانت للأفراد وليس للعائلات إضافة إلى أن تلك الشرعية السياسية كانت وطنية الطابع أي مناهضة الاستعمار، كما أنها استندت بالأساس على قيم أكبر من رابطة الدم كالوطنية الفلسطينية والعروبة وتعززت بالتعليم والثقافة، والأهم كان الموقف السياسي من الصهيونية والاستعمار البريطاني.

إن طرح هذا التقرير لدور الحمولة أو العائلة في سياق الصراع السياسي القائم بين حماس وفتح يحمل خطورة جدية كونه يعطي الانطباع بمركزية الحمولة إلى حد التعامل معها كلاعب سياسي مستقبلي. هذا الفهم المستند إلى افتراضات أساسية اقرب إلى الفهم الاستشراقي الاستعماري الذي يتجاوز تحليل دور الدولة التقليدي في استخدام العشائرية من أجل فرض سيطرتها أو تقسيم العمل بينهما نتيجة لفشل الدولة في تقديم الخدمات لمواطنيها. إن ربط العائلة بصراع فتح وحماس يعني إعطاء "الحمولة" دوراً سياسياً وهذا نموذج حي لعلم الاجتماع الاستعماري الذي كان ولا يزال ينظر إلى الاجتماع العربي كحالة غير سياسية أو في أحسن الظروف حالة سياسية لا-عقلانية مبنية على نمط علاقات ما قبل حداثية، وتزداد خطورته عندما تتحول وحدات التحليل الاستشراقية إلى حقائق اجتماعية تستغل وتمأسس سواء من قبل السلطات الاستعمارية أو من الممولين الدوليين الدائرين في فلكها.

لذلك لا بد من القول بأن وقوع فتح أو غيرها في فخ استخدام العائلات في صراعها السياسي سيكون نهاية أي مشروع حداثي في فلسطين بحيث يكون إنهاء أزمة سياسية خالصة مقدمة لخلق أزمة أعمق على المستوى الاجتماعي وقد تفضي إلى حرب أهلية لا تعرف نتائجها في غزة التي تعاني ما يكفي من الجراح.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018