الوحدة الوطنية أو الضياع../ د.محمود محارب

عبثاً تحاول الدول العربية منذ سنوات طويلة التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ولكن بدون جدوى. عبثا يحاول قادة الدول العربية تغيير طبيعة الأشياء بتعاملهم مع إسرائيل كدولة عادية، ولكن بدون جدوى. فهي ليست كذلك لا من حيث الشرعية ولا التاريخ ولا الجغرافيا ولا الديمغرافيا ولا الدور ولا المكانة. عبثا يحاول قادة الدول العربية مقايضة إسرائيل ببضاعة "الأرض مقابل السلام" وهم لا يمتلكون منها شيئاً. فالأرض تحتلها إسرائيل والسلام وفق منظور إسرائيل هي نفسها التي تمنحه إلى الدول العربية، وهي لا تستجديه ولا تريده إلا وفق شروطها. فمن يتخلى عن استراتيجية المواجهة، ناهيك عن استراتيجية المقاومة، لا يملك قدرة منح السلام إلى الآخر، ويصبح رهينة بيد من يمتلك القوة ؛ والرهينة لا تستطيع منح السلام أو الأمن إلى سيدها. عبثا تحاول الدول العربية أن تتصالح مع إسرائيل، وهي غير متصالحة مع ذاتها ولا مع شعوبها ولا مع ماضيها أو حاضرها. عبثاً يحاول الفلسطينيون تحقيق أهدافهم الوطنية وهم في حالة انقسام خطير للغاية في حركتهم الوطنية قد يؤدي إلى وأدها.

لن تقبل إسرائيل التوصل إلى سلام مع الدول العربية، مجتمعة أو كل على حدة، إلا وفق شروطها؛ ما لم تتبن هذه الدول استراتيجية مواجهة تدفع إسرائيل ثمن الاحتلال والعدوانية. فرغم حديثها الممجوج عن السلام، تنطلق استراتيجية إسرائيل تجاه الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية، من منطلقات القوة والحرب والصراع وموازين القوى وخلق الأمر الواقع. وهي تسعى إلى تحقيق أهدافها وفرض الحل الذي ترتأيه على الشعب الفلسطيني مستندة إلى عوامل قوة ترجح ميزان القوى لصالحها. فوضعها الاقتصادي المتطور والذي يصل دخل الفرد السنوي فيه إلى 20 ألف دولار يمكنها من تخصيص ميزانية مرتفعة للأمن. وهي تتفوق على جميع الدول العربية في الأسلحة التقليدية وتحتكر السلاح النووي وتمتلك القدرة على القيام بـ"الضربة النووية الثانية"، وتتمتع بإرادة سياسية موحدة تساهم المؤسسة الأمنية في بلورتها وفي حشد المجتمع الأسرائيلي من خلال عملية "الديموقراطية الإسرائيلية" القائمة على "مقدسات" أيديولوجية وسياسية وأمنية تتمحور حول قدسية الدولة اليهودية والجيش والأمن. وفوق ذلك كله، تتمتع إسرائيل بعلاقات مميزة وراقية للغاية مع الولايات المتحدة الأميركية، تحصل بموجبها على مساعدات ودعم أميركي حيوي وهام جدا في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية بهدف الحفاظ على تفوق إسرائيل على كل من يحيطها من العرب.

في ضوء ذلك، ونتيجة ضعف الدول العربية واضمحلال العمل العربي المشترك وتفشي الانقسام والصراع بين الدول العربية، واستفحال الصراعات الداخلية في الكثير من الدول العربية، وتخلي الدول العربية عن مواجهة إسرائيل وتعاملها مع التفوق الأسرائيلي العسكري عليها كمعطى ثابت؛ يشكل العامل الديمغرافي الفلسطيني، ووجود الحركة الوطنية الفلسطينية، بايجابياتها وسلبياتها، العامل الأساسي المؤثر على الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه مصير المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام.

فاستمرار وجود الشعب الفلسطيني في وطنه وتزايده رغم الاحتلال وبطشه، شكل معضلة مزمنة لإسرائيل تفاقمت يوما بعد آخر. وتنبع هذه المعضلة من التناقض القائم بين الهدف الصهيوني القاضي بضم الضفة الفلسطينية من ناحية، وبين هدف الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية من ناحية أخرى. وقد حسمت إسرائيل أمرها وبلورت، منذ عقد، استراتيجية تجاه المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967، تسعى إلى حل هذا التناقض لصالحها وعلى حساب الشعب الفلسطيني، بإقامة نوع من نظام الأبرتهايد تضم وفقه أكثر ما يمكنها ضمه من أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة وتقوم بالانسحاب من المناطق المكتظة بالفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية فيها وفي قطاع غزة، تكون تحت النفوذ الأسرائيلي المكثف تخترقها أسافين أكثر من خمس كتل استيطانية كبيرة، ويحيطها جدار الفصل العنصري والقواعد العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا السياق يتمحور لب المعركة التي تخوضها إسرائيل، حول توسيع المساحة الجغرافية التي تزمع اقتطاعها من الضفة الفلسطينية، وخاصة في القدس و"الكتل الاستيطانية" لتكثيف الاستيطان فيها وضمها إلى إسرائيل في أي حل مستقبلي، سواء كان ذلك الحل مفروضا من قبل إسرائيل أو متفقا عليه مع القيادة الفلسطينية.

يشكل الاستيطان اليهودي في الضفة الفلسطينية المحتلة الأداة الأساسية في يد إسرائيل لخلق أمر واقع لفرضه على الفلسطينيين. ويناهز عدد المستوطنين اليهود في الضفة الفلسطينية المحتلة 380 ألف مستوطن يستوطنون في 120 مستوطنة، 12 مستوطنة منها في القدس الشرقية، يزيد عدد المستوطنين فيها عن 240 ألف مستوطن، و109 نقطة استيطان عشوائية، تعهدت الحكومة الإسرائيلية بإزالتها، مقابل رسالة الضمانات الأميركية، بيد أن إسرائيل وعبر وزارات الحكومة واذرع الدولة تقوم برعاية وتعزيز هذه المستوطنات، بهدف ربط واشتراط إزالتها بقبول فلسطيني بالكتل الاستيطانية في الضفة الفلسطينية.

ومع استئناف "العملية السلمية" وانطلاق المفاوضات بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية بعد اجتماع أنابولس، كثفت إسرائيل من نشاطها الاستيطاني. فما إن انتهت اجتماعات أنابولس حتى كشف النقاب في إسرائيل عن حملة استيطانية واسعة النطاق في الضفة، وخاصة في محافظة القدس المحتلة. فقد أعلنت وزارة الإسكان الإسرائيلية في بداية كانون الأول/ديسمبر 2007 عن مناقصات لبناء 300 وحدة سكنية في مستوطنة جبل أبو غنيم (هار حوماه) في القدس الشرقية المحتلة.

وبعد ذلك بأسبوع أعلنت الوزارة نفسها أنها شرعت في عملية التخطيط لبناء مستوطنة في شمال القدس الشرقية المحتلة، تضم عشرة ألاف وحدة سكنية (هآرتس، 19/12/2007). وفي أواخر ديسمبر 2007، وبعد أن قام رئيس الوزراء الأسرائيلي بربط الإعلان عن أي استيطان جديد بموافقته وموافقة وزير الأمن الإسرائيلي، أعلنت "دائرة أراضي إسرائيل" عن مناقصة لبناء حي استيطاني في جبل المكبر في القدس الشرقية المحتلة. وتشق إسرائيل حاليا وتعبد شارعاً استيطانيا عريضا، يزيد عرضه عن 40 مترا، في حي بيت حنينا في القدس الشرقية المحتلة، ليربط بين مستوطنتي "بسجات زئيف" و"جفعات زئيف" اللتين أقيمتا على أراضي القدس الشرقية وقراها العربية. ويخترق الشارع الاستيطاني بيت حنينا من أقصى شرقها إلى أقصى غربها، وقد أدى إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي العربية وهدم الكثير من البيوت وتقطيع أوصال بيت حنينا؛ ورغم خطورة ذلك، لم يسمع عن احتجاج يذكر من قبل الحركة الوطنية الفلسطينية، فهي مشغولة ومسكونة حتى النخاع في الصراع الداخلي.

وتتمثل السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية:

1- استمرار الضغط متعدد الجوانب على الشعب الفلسطيني وقيادته من أجل أحداث تآكل في الموقف الفلسطيني من قضايا الصراع الأساسية.

2- استمرار الاستيطان لخلق واقع جديد في الأرض الفلسطينية المحتلة تسعى إسرائيل لفرضه على الشعب الفلسطيني.

3- استمرار حصار الشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة. بالنسبة لقطاع غزة تسعى إسرائيل إلى أحكام الحصار عليه ومنع وصول غالبية المواد الأساسية إليه لتدمير اقتصاده وإيصاله إلى حافة الجوع، وتحضير الرأي العام المحلي والدولي لمزيد من العقوبات الجماعية ضد قطاع غزة، وممارسة الضغوط المستمرة على مصر لمنع تكرار اختراق الحدود المصرية مع قطاع غزة، وذلك بهدف إفشال حكومة حماس المقالة وتأليب الشعب ضدها وخلق حالة من اليأس والإحباط بين صفوف الفلسطينيين، ليسهل تقبل السياسة الإسرائيلية.

أما بالنسبة إلى الضفة الفلسطينية المحتلة، حيث تجرى المعركة الأساسية لاقتطاع مساحة واسعة منها وضمها إلى إسرائيل، تستمر إسرائيل في حصارها والسيطرة العسكرية المباشرة عليها وفي تقطيع أوصالها وتقسيمها إلى ست مناطق بواسطة الحواجز والمستوطنات وجدار الفصل: شمال الضفة، ووسط الضفة،وجنوب الضفة، ومنطقة الغور، والمناطق المحاطة بجدار الفصل، ومنطقة القدس، وتتحكم إسرائيل في حركة السير بين كل منطقة وأخرى.

4- الحفاظ على وتعميق الانشقاق في الحركة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس، وتعميق الانفصال الجغرافي بين الضفة والقطاع.

5- رفض وقف إطلاق النار أو الهدنة، ومنح الماكنة العسكرية الأسرائيلية حرية الحركة في الاستمرار في البطش بالفصائل الفلسطينية بشكل خاص وبمجمل الشعب الفلسطيني بشكل عام. وهناك قناعة لدى القيادة الإسرائيلية أن إسرائيل تستطيع، في ضوء الانقسام الفلسطيني والوضع الإقليمي والدولي، الاستمرار في محاولة إيجاد حل عسكري للصراع مع الفلسطينيين، وأنها تستطيع تحمل الأعباء الإقتصادية والخسائر البشرية المترتبة عن هذا الحل العسكري. فقد بلغت خسائرها البشرية 13 قتيلا في عام 2007، و24 قتيلا في عام 2006، و50 قتيلا في عام 2005.

لا يفتح المستقبل أوراقه لنا لقراءتها ولكن يمكن القول أنه يحمل عدة احتمالات أبرزها:

أ- استمرار الانشقاق في الساحة الفلسطينية: إذا استمر الانشقاق في الساحة الفلسطينية فانه قد يقود إلى مزيد من الصراع الداخلي الفلسطيني الأمر الذي يضرب النضال والمناعة الوطنية الفلسطينية في الصميم، ويقود إلى أضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، ويسهل على إسرائيل تحقيق سياستها، وفرض حل وفق رؤيتها سواء بشريك أو بدون شريك فلسطيني.

وفي حالة تفاقم الصراع الداخلي واستمرار ذلك فترة طويلة، فقد يقود إلى ابتعاد الشعب عن الفصائل الفلسطينية والى ازدياد الفوضى واللامبالاة مما يفقد فصائل الحركة الوطنية إرادتها الوطنية، وقد يؤدي ذلك إلى عودة إسرائيل والدول العربية إلى طرح الخيار الأردني لإيجاد حل، ليس مع الشعب الفلسطيني وقيادته، وإنما من وراء ظهره، يتم فرضه عليه.

ب- وحدة وطنية فلسطينية: إذا تمكنت الفصائل من تحقيق وحدة وطنية ذات قيادة وطنية موحدة وذات برنامج سياسي واضح يحدد الهدف الذي يناضل الفلسطينيون لتحقيقه ويحدد وسائل النضال المتفق عليها والتي تضمن استمرار النضال وتساهم في حشد الشعب والدول العربية والمجتمع الدولي؛ فان ذلك يفتح إمكانية واسعة لإزالة الاحتلال والاستيطان من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية فيها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018