من يجرؤ على تقديـم مبادرة قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية؟../ هاني المصري

بعد مرور ثمانية اشهر على الانقسام السياسي والجغرافي أصبح واضحاً ان القضية الفلسطينية تسير نحو المجهول، وان الانفصال ما بين غزة والضفة وبين الاطراف الفلسطينية المختلفة يمكن ان يصبح واقعاً مستمراً قابلاً للبقاء لسنوات عديدة وحتى اشعار آخر.

لم يعد هناك مجال للشك بأن الانقسام خسارة صافية للشعب والحقوق والارض والانسان المفترض ان يكون أغلى ما نملك.
لقد جربنا الانقسام وذقنا ويلاته ولسعتنا نيرانه. وبات واضحاً انه مدمر للجميع باستثناء بعض الافراد والشرائح التي دعت للانقسام ورقصت من اجل استمراره.

ومضت فترة كافية لانهاء الانقسام من الاطراف المعنية والمسؤولة، ولم تحدث المصالحة، ونبدو الآن بعيدين عنها اكثر من أي وقت مضى. رغم ذلك فان انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية لا يزال هدفاً واقعياً قابلاً للتحقيق. فسلطة الأمر الواقع لم تحقق اهدافها بدحر الاحتلال عن غزة "وهزيمة تيار دايتون- دحلان" وقطع الطريق على "المفاوضات العبثية"، واقامة امارة اسلامية او قاعدة تشكل نقطة انطلاق لتحرير الضفة او بقية فلسطين او لنشر المشروع الاسلامي في عموم المنطقة، فغزة النقطة الضعيفة المحتلة والمحاصرة لا تحتمل ولا تستطيع تحقيق كل هذه الاهداف الكبيرة.

كما استؤنفت المفاوضات بعد أنا بوليس وبات واضحاً تماماً وللجميع محلياً واقليمياً ودولياً انها تسير في حلقة مفرغة، وشكل الانقسام السيف المسلط على رقبة المفاوض الفلسطيني، والذريعة المناسبة لادارة بوش وحكومة اولمرت لتبرير استمرار العدوان والاستيطان والجدار والحصار والاعتقالات ولعدم التقدم سواء بالمفاوضات او لتنفيذ ما يمكن ان تتوصل اليه المفاوضات، هذا اذا سلمنا جدلاً بأن هناك امكانية اصلاً للتوصل لاتفاق في ظل الهوة الشاسعة ما بين الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي، ومع عدم وجود إرادة دولية ضاغطة كافية لاختراق جدار التعنت الاسرائيلي والتوصل الى اتفاقية سلام.

لقد جرت مياه كثيرة خلال الأشهر الماضية، وأظهرت المستجدات والوقائع العتيدة ان اسقاط سلطة الامر الواقع في غزة من الصعب، اذا لم يكن من المستحيل، ان يحدث عسكرياً، لأن القوة العسكرية الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك هي جيش الاحتلال، وهو لن يقوم بذلك دون ثمن باهظ، مع العلم ان الحكومة الاسرائيلية ليست جمعية خيرية حتى تقوم باعادة احتلال قطاع غزة وتسليمه كلقمة سائغة على طبق من ذهب للسلطة برئاسة أبو مازن، فالانقسام الفلسطيني يوفر فرصة ذهبية لاسرائيل لتحقيق اهدافها التوسعية والعنصرية بسرعة أكبر وتكاليف أقل، والحكومة الاسرائيلية معنية باستمرار وتعميق هذا الانقسام، كونه يعفيها من التزاماتها ويمكنها من ابتزاز الطرفين الفلسطينيين، السلطة في رام الله وسلطة الامر الواقع في غزة، والحصول منهما على أقصى التنازلات الممكنة، واثبتت الشهور الماضية ان المراهنة على سقوط سلطة الامر الواقع بالرهان على الانتفاضة الشعبية ضدها، او على الحل الأمني او على الحصار والمقاطعة والعدوان سراب خادع، لان هذا الامر يمكن ان يقويها ويظهرها كضحية تستحق الدعم من الشعب الفلسطيني، فالعقوبات الجماعية والجرائم ضد الانسانية تؤدي الى التعاطف مع حماس وليس نبذها، ولعل هذا ما يفسر العبور الكبير للحدود الفلسطينية - المصرية الذي كسر الحصار مؤقتاً، والارتفاع المحدود الذي حدث في شعبية حماس في الآونة الأخيرة.

ولم تستطع دعوات الحوار والمصالحة الفلسطينية والعربية والدولية ان تحقق مبادرة قادرة على النجاح في ظل عدم توفر المبادرة الاقليمية والدولية الجادة ووجود المعارضة الاميركية الاسرائيلية، ومع استمرار الشروط والشروط المضادة فلسطينياً، ما بين دعوة حماس للحوار بلا شروط، مع ان احتفاظها بسلطة الامر الواقع يمثل شرطاً كبيراً، وربما تعجيزياً، لانها تريد ان توظفه في الحوار. وبين شرط إلغاء الانقلاب اولاً قبل الحوار كونه يجعل حماس تذهب للحوار ضعيفة تماماً، ما يجعلها فريسة سهلة وسط دعوات متباينة لوضع شروط عليها وعلى غيرها للموافقة على الالتزامات التي عقدتها المنظمة كشرط ليس للحكم وانما للمشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، مع ان المطلوب من اعضائه ليس قبول هذه الالتزامات كشرط للعضوية، وانما احترامها، أما القبول بالالتزامات فهو مطلوب من القيادة (قيادة م.ت.ف) والحكومة لان الحكومات الحالية اللاحقة مطالبة بالالتزام بالاتفاقات السابقة، تحقيقاً لمبدأ الاستمرارية في القانون الدولي، الذي يفرض على اية حكومة جديدة احترام التزامات الحكومات التي ستعقبها، على ان يتم النظر بتعديل او تجاوز هذه الاتفاقيات حين توفر الظروف المناسبة. فلا بد من التمييز بين مسؤوليات الحكم والتزاماته ودور المعارضة المقدس في المعارضة. اما الخلط ما بين الحكم والمعارضة في نفس الوقت فهو ساهم مساهمة كبيرة في ايصالنا الى ما نحن فيه.

ان ما حدث ويحدث على الحدود المصرية - الفلسطينية يعطي صورة لما يمكن ان تؤول اليه الاوضاع، ويدل على ان خطر استمرار الانقسام لسنوات او الى اشعار آخر امر محتمل، ما يستدعي من كل الغيورين على المصلحة الوطنية وتحقيق البرنامج الوطني المبادرة والتحرك من اجل انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، الآن وليس غداً، وكلما كان ابكر كان افضل.

هناك من يقول، ان التيار الاسلامي لا يقبل بالشراكة لانه يطرح برنامجاً شمولياً احادياً. وينسى ان حماس مقيدة بحبال انتصارها وبحاجة الى مخرج. وهناك من يقول ان الوحدة على باطل او برنامج غامض اسوأ من الانقسام لأن الوحدة تصبح في هذه الحالة وتقود الى وحدة الشلل الوطني.

رداً على هذه الاقوال، نقول: ان الوحدة على اطار واحد يحدد الاهداف الكبرى وطرق تحقيقها شرط ضروري توفيره عندنا لأن فلسطين تحت الاحتلال وتمر بمرحلة تحرر وطني، والاحتلال يستهدف الجميع كما يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ولكن الوحدة يجب ألاّ تكون على أساس برنامج غامض حمّال اوجه، كما حصل في اتفاق مكة، بل يجب ان تكون هناك استراتيجية واحدة، او مرجعية متفق عليها، اما البرامج فيمكن ان تكون متعددة. واذا حصل برنامج على الاغلبية في الانتخابات يجب ان يمكن من العمل مع التفريق ما بين مسؤوليات الحكم وترف المعارضة. فليس الامر الحاسم ان تكون على حق لكي تعمل وفقاً لهذا الحق، بل الحكمة اولى بالاتباع. والحكمة تقتضي من الجميع ان يدرك ان فلسطين لا تعيش في جزيرة معزولة، وليست حرة وتتأثر بجملة من العوامل المحلية والاقليمية والدولية التي يجب ان تؤخذ بالحسبان.

تأسيساً على ما تقدم، لا يمكن ان يبقى الفلسطينيون بانتظار انفراج ويصبح حالهم مثل الذي ينتظر غودو الذي لن يأتي، وانما عليهم ان يبادروا جميعاً، او ان تنطلق من بينهم مبادرة تغلب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفصائلية والجهوية والعائلية، وتكون شاملة ومتوازنة قادرة على خلق رأي عام فلسطيني مقتنع بها وضاغط من اجل تحقيقها، وعندما يتوفر ذلك يمكن ان يساهم كونها مبادرة تسعى لتلبية الحد الممكن من مطالب مختلف الاطراف الاقليمية والدولية، فبدون وجود مصلحة للاطراف الفاعلة في القضية الفلسطينية في المصالحة الوطنية لا يمكن ان تحقق المصالحة، ومبادرة تأخذ كل المتطلبات المحلية والاقليمية والدولية بالحسبان، قادرة على النجاح، فهل يجرؤ احد على تقديم مثل هذه المبادرة التاريخية؟.
"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018