في الذكرى 32 ليوم الأرض../ علي جرادات

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، تلك أنشودة شعر فلسطينية تضيء الأبعد في علاقة البشر بالأرض، وتلقائيا لعلاقة الفلسطينيين بأرضهم. فهي أنشودة، وإن نافحت عن أولوية استمتاع البشر بخيرات الأرض وجمالها، وحثت عليها في مواجهة ثقافة الموت، فإنها تحيل الى المعنى الوجودي الأعمق لهذه العلاقة:

الأرض أمُّ الحياة الشرط المسبق للموت، لا يكون دون حياة، هي الجهد البشري، الأب الأبدي لانتاجهم، فيما الأرض أمه الأزلية.
تلك هي جدلية علاقة الأرض بحياة البشر وموتهم، حيثما كانوا، وأينما كانوا. وهكذا كانت علاقة الفلسطينيين الطبيعية بأرضهم، حتى "نكبتهم" قبل ستين عاماً، "النكبة" التي فصلتهم بالقسر وقوة الحراب والتطهير العرقي عن أرضهم.... أمِّ حياتهم، مصدر رزقهم، حيز وجودهم، ومكان تبلور هويتهم، ظَنَّ مغتصبوها، ومَن غطى على جرائمهم أو تواطأ معها، أن النتائج المترتبة على إبتلاعها، وإقتلاعهم منها، وتحويلهم الى لاجئين مشردين خارجها أو مهجَّرين بداخلها، يمكن تسويتها من دون البحث في موضوع الأرض والسيادة عليها، أساس الصراع وجوهره.

لهذه النظرية العنصرية الواهمة بامكانية التسوية السياسية للصراع من دون حل موضوع الأرض وعلاقة اللاجئين بها، صيغت مخططات ومخططات، وطُرحت مشاريع ومشاريع، وبُذلت محاولات ومحاولات، وشُنت حروب وحروب، وسُفكت دماء ودماء، وحيكت مؤامرات ومؤامرات، لكن دون جدوى، فالصراع رغم مرور ستين عاما ما زال مشتعلاً.

وفيما خص الباقون على أرضهم خلف "الخط الأخضر"، بل "الباقون على صدوركم" كما انشد الشعر الفلسطيني، فقد ظلت محاولات "دمجهم" مجرد وهم سياسي، لأنها قفزت عن علاقتهم بأرضهم، وأمعنت في فصلهم وتجريدهم عنها، ليلد في مجرى الصراع عليها، يوماً خلده هؤلاء الباقون، وسموه باسمها، "يوم الأرض"، أسبوع وتحل الذكرى الثانية والثلاثين على ميلاده في يوم الثلاثين مِن آذار عام 1976، نال فيه ستة شهداء، شرف اقتران اسمائهم، وتخليدها كرمز لاصرار الفلسطينيين على تشبثهم بأرضهم، ونضالهم الوطني الدفاعي المديد لاستردادها.

هم، فضلا عن عشرات من الجرحى، ستة شهداء: خير ياسين (عرابة)، ورجا أبو ريا، وخضر خلايلة، وخديجة شواهنة (سخنين)، ومحسن طه (كفر كنا)، ورأفت الزهيري (عين شمس)، سقطوا في "يوم الأرض"، واختارهم الفلسطينيون من بين مئات الآلاف من شهدائهم وجرحاهم، ليكونوا رمزاً لجذر الصراع: الأرض، بما هي موضوع علاقةٍ بوطن وهوية وحق وسيادة وحرية واستقلال وانتماء.

واليوم، ومع حلول الذكرى الثانية والثلاثين ليوم الأرض، بكل ما يرمز له من وشائج لعلاقة الفلسطينيين بأرضهم، وعدم امكانية تسوية الصراع من دون إعادة هذه العلاقة الى مجراها الطبيعي والموضوعي، كعلاقة أية مجموعة بشرية بأرضها، يبدو أن العقل السائد في السياسة الإسرائيلية، وبعد أن أنهكه فشل محاولات "الدمج" للباقين من الفلسطينيين على أرضهم، قد عاد يفكر في مأزقه من جديد، إنما بصورة أكثر عقما ووهما ومجافاة لحقائق الواقع، أي عبر استبدال نظرية "الدمج" بنظرية "الفصل"، ولعلها ذات مغزى ودلالة على هذا الصعيد تصورات مؤتمر هرتسليا الأخير، حول امكانية التخلص من هؤلاء الباقين، عبر التبادل الاقليمي للأراضي.

إن كانت افتراضات نظرية الفصل عقيمة، بل لا تقل عقماً عن افتراضات نظرية الدمج، وأظنها كذلك، فإن مجرد طرحها والتفكير بها، يشير الى عمق المأزق الذي يعانيه التفكير السياسي الإسرائيلي حيال الفلسطينيين الباقين على أرضهم خلف الخط الأخضر، خاصة بعد أن أصبحوا مليونا ونصف المليون، فيما كانوا مئة وستون ألف يوم النكبة.

مأزق لا فكاك للعقل السياسي الإسرائيلي منه، اللهم الا إذا استجاب لجملة من الحقائق الموضوعية، هي:

1: تستطيع السياسة أن تعبث بحقائق الجغرافية، لكنها لا تستطيع أن تلغيها من الواقع.
2: تستطيع السياسة أن تسطو على حقائق التاريخ، لكنها لا تستطيع أن تدثرها.
3: تستطيع السياسة أن تبعثر حقائق الديموغرافيا، لكنها لا تستطيع أن تزيحها أو تمنع تكاثرها.

دون ادراك لهذه الحقائق الموضوعية، ودون الاستجابة السياسية الإسرائيلية لها، لن يستطيع الإسرائيليون الفكاك من المأزق التاريخي الذي وضعوا أنفسهم، ووضعوا الآخرين فيه، فيما استمرار ادارة ظهرهم لهذه الحقائق، لن يحصد غير التعامل مع الصراع كصراع مستديم، حتى، وإن خبت جذوته في هذه المرحلة أو تلك، وحتى لو جرت تهدئته آنياً أو تسكينه مؤقتاً بهذه المناورة السياسية التكتيكية أو تلك. وفي هذا السياق، تندرج كافة مشاريع الحلول السياسية الإسرائيلية، التي، وإن اختلفت في المسمى والتفاصيل، فإنها ما زالت دون الإقرار بأن الفلسطينيين ليسوا مجرد مجموعات سكانية "غير يهودية" تعيش على "أرض إسرائيل الكاملة"، بل هم شعب يعيشون على أرض، هي أرضهم، جرى ابتلاعها، واقتلاعهم منها، ولا يمكن تسوية الصراع معهم دون البحث في موضوع هذه الأرض، التي أظهر الفلسطينيون فيما طرحوا من حلول للصراع عليها، توقاً للعيش بسلام عليها، وكانت اطروحتهم حول "اقامة دولة فلسطين العلمانية الديموقراطية"، دليلا على انسجام مكنونهم التحرري، البعيد كل البعد عن رذائل عقلية التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وهي الجرائم التي مورست بحقهم، وما زالت تمارس، على مدار ستة عقود خلت، برغم كل ما أُلصق بنضالهم الوطني الدفاعي من تهم "التخريب" و"الإرهاب" و......الخ من التقولات الباطلة، التي ما انفك العقل السائد في السياسة الإسرائيلية يختلقها، ويساعده على ترويجها في العقل البشرى، ما يحظى به من اسناد وتواطأ دولي، وأمريكي بالأساس، غض البصر، بفعل عوامل المصلحة، عما ارتكب، وما زال يرتكب بحق الفلسطينيين من تطهير عرقي وجرائم حرب يرفضها القانون الدولي ويحاسب عليها.

في الذكرى الثانية والثلاثين ليوم الأرض، التي عليها نشأ الصراع، وما زال عليها يدور، وسيبقى كذلك، يجدر بالعقل السائد في السياسة الإسرائيلية، ومن يسنده ويتواطأ معه، إن هو أراد تجنب ابقاء الصراع كصراع مستديم، التوقف أمام مغازي فشل نظرية "الدمج"، التي لن يكون مصير نظرية "الفصل" أفضل من مصيرها، ذلك أن نظريتي "الدمج" و"الفصل"، وإن ظهرتا كنقيضين، فإنهما لذات الجذر العنصري الإقصائي الإلغائي ينتميان، ولحقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا ينافيان، وبحقيقة أن الصراع على الأرض كان وما زال وسيبقى، عاجلاً أم آجلاً، سيعودان ويصطدمان.

على ذلك؛ وعلى ما بين الفلسطينيين من انقسام يضعفهم ويجنح بهم عن جوهر الصراع وحقائقه؛ وعلى ما يحيط بهم من ظرف قومي مفكك يزيدهم ضعفاً على ضعف؛ وعلى ما بيد الإسرائيليين من قوة ودعم دولي، أمريكي بخاصة، يزيدهم غطرسة؛ فإنه ما زال للعقل السائد في السياسة الإسرائيلية سؤاله الحارق: كيف السبيل لحل صراع، جوهره السيادة على أرض تحل الذكرى الثانية والثلاثين ليومها، لتذكر الإسرائيليين، (ربما أكثر من الفلسطينيين)، بمأزق هذا السؤال الموجع المفتوح، ما زال يدفعهم للمزيد من اجراءات مصادرة الارض واستيطانها وتهويدها، ولكن هذا، وإن أضعف الفلسطينيين، فإنه لا يحل مأزق الإسرائيليين، بل يزيده تعقيداً على تعقيد، لإنه يعيد الصراع الى مربعه الأول كصراع على الأرض التي "عليها ما يستحق الحياة".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018