ما بعد قمة دمشق.. مرحلة الحسم والمواجهة.../ يونس العموري

هو السؤال الأكثر رواجا هذه الأيام، حيث ان الكل يحاول جاهدا ان يبحث عن اجابات... عن ماهية الوضع المتوقع ما بعد قمة دمشق... وما ستؤول اليه الأمور على المستوى الإقليمي وتحديدا فيما يخص الثالوث المرعب للسياسات المتصارعة على الساحة ( فلسطين والعراق ولبنان)...

ولعل هذا السؤال قد أصبح هاجسا مقلقا لكل صُناع السياسة في المنطقة، حتى أن عواصم التأثير تحاول هي الأخرى الإجابة عن التساؤل حول ما يعزز سياستها ومصالحها أولا وقبل كل شيء، والإشارة هنا الى العواصم التي بلا شك لها ارتباطات محورية كانت قد صنعتها وخلقتها كمقدمة لما يجب ان تكون عليه المواجهة او اللا مواجهة ... على اعتبار ان المواجهة قدة تكون متطلبا عملانيا لسياسات الحسم لدى المحور الأمريكي، الأمر الذي يعني محاولة تعزيز نهج سياسة محور ما يسمى بالإعتدال العربي الرسمي بعد ان عجز هذا المحور عن امتلاك زمام المبادرة وفرض رؤيته السياسية على المنطقة برمتها، لا سيما وان عناصر ترويج المنهج الأمريكي السياسي وتباعته العربية قد فقد مصداقيته خصوصا فيما يخص بؤر الصراع الأساسية..

كما ان انظمة الاعتدال العربية قد فقدت بالتالي إمكانية الطرح الجديد الذي قد يمثل وجهة النظر العربية الرسمية أو محاولة فرض الرؤية الاعتدالية على اعتبار عدم الثقة بما قد تأتي به هذه الأنظمة الموصوفة بأغلب الأحيان بالخانعة للسياسات الأمريكية على الأرض العربية..

ولعل نجاح عقد القمة بدمشق يمثل التحدي الأكبر لهذه الأنظمة التي حاولت تقويض انعقادها وستحاول بشتى السبل والوسائل وتنفيذا لأوامر البيت الأبيض حسم المواجهة بطرق اخرى غير تلك المعتادة سياسيا ودبلوماسيا، طالما ان الطرف الآخر بمعادلة المحاور قد اظهر الكثير من الصمود والممانعة لمواجهة السياسات الأمريكية وحلفائها، وهو الأمر الذي يعني فيما يعنيه تطور عملية الصراع على الأرض بلغة قد تكون أخرى بعيدة عن سياسة المناكفات السياسية وتعطيل المشاريع عبر القنوات الدبلوماسية السياسية. وعلى هذا الأساس اعتقد أن المصلحة الأمريكية وبالتالي العربية الإعتدالية تتجه هذه المرة للحسم بلغة أخرى، وان كانت باهظة التكاليف والأثمان.. وحيث ان رأس حربة المحور المضاد عربيا (دمشق) غير مضطرة لتقديم االتنازلات السياسية أو دخولها في بازار المجاملات الرسمية الدبلوماسية فإنها بالتالي ستذهب باتجاه مواجهة تقويض نتائج القمة، هذا إذا ما اعتبرنا أن ثمة قرارات مجدية أو فعالة ... إلا أنها على الأقل ستمضي بسياساتها حتى النهاية وتحديدا فيما يخص الساحة اللبنانية والتي على ما يبدو أنها ستتحول إلى كرة الثلج الساخنة بالمنطقة بمختلف أشكال المواجهات سواء أكانت تلك الداخلية أو كونها ساحة لتصفية حسابات الكبار إقليميا على أرضها..

هو السؤال الأكثر الحاحا اليوم والمتمثل برأيي ... بماذا ستكون عليه الحال بعد القمة...؟ بمعنى هل سنشهد (هبوب رياح ساخنة وحملات متبادلة) أم سيكون نو ع من التهدئة على الأقل بهدف قطع الطريق على تصعيد إضافي وتحول دون المزيد من التدهور في لبنان، وإمكانية اعادة اللحمة الوطنية والوحدة الجغرافية في فلسطين.. ووقف الإستنزاف البشري بالعراق وأخذ زمام المبادرة بهدف وقف المتاجرة بالدم العراقي...

بلا أدنى شك إن الواقع العربي لم يعد على هامش الخطر، بل في أتونه الفعلي.. والكل العربي الرسمي يدرك هذه الحقيقة، وبالتالي يحاول أن يحمي مصالحه القطرية، وإن كان ذلك على حساب المصلحة القومية ... مع الأخذ بعين الإعتبار ان حقيقة المصالح الضيقة للأنظمة العربية بعيدة كال البعد عن الفهم الموضوعي للمصالح ووقائعها ... وبالتالي فإن هذه المصالح إنما تعبر أولا عن مصالح المحاور وامتدادتها وهو الأمر الذي يبدو جليا وواضحا من خلال تعبير كل جهة محورية مضادة للمحور الآخر عن أجندتها السياسية وبالتالي الارتباطية مع السيد والراعي لهذا المحور أو ذاك ...

مرة أخرى تنعقد قمة عربية ولا نجد الحد الأدنى من الإجابات الفعلية والعملية التي ربما تشكل خارطة طريق للتحرك العربي الرسمي للتأثير في مسار الفعل العربي الرسمي وإخراجه من دائرة تنفيذ برامج الغير على الأرض العربية ... وبالتالي نقع في توقع ما يمكن أن يحدث ما بعد القمة ... ومحاولة رسم السيناريوهات، إلا أن هذه المرة مختلفة تماما على اعتبار أن التوقع مختلف تماما، وربما أيضا غير متوقع، فأمور الثالثوث المرعب في المنطقة (فلسطين والعراق ولبنان) أصبحت بحاجة إلى حسم حتى ان الراعي الأمريكي يعتقد بضرورة الحسم لئلا تفلت الأمور من زمام مبادرته، وهو الأمر التي أكده شكل انعقاد القمة وغياب الكثير من الزعماء العرب، وبذات الوقت فإن المحور المضاد والذي اتضحت معالمه يعتقد بضرورة الحسم أيضا واثبات وجهة النظر الأخرى تجاه مجريات ومسارات العملية السياسية برمتها وتغير قواعد اللعبة. والسؤال الكامن هنا .. أين المصلحة العربية الجماهيرية تجاه كل هذه التجاذبات؟؟ وهل هناك رؤية عربية فعلية نستطيع الإستناد عليها في فعل المواجهة وبالتالي الحسم؟؟

إن قضايا المنطقة لا تجد الحد الأدنى من التفهم العربي لها او حتى الإسهام في محاولة معالجتها ... مما يعني أن النظام العربي الرسمي وكما هي العادة قد أثبت عجزه عن تقديم أي من الأطروحات التي من شأنها وضع الحلول لقضايا هذه المنطقة، بل إننا نجد هذا النظام مجرد معبر عما تريده القوى الإقليمية بلغة عربية، ومنفذا لإرادة اخرى غير الإرادة العربية الشعبية الجماهيرية، وبالتالي يقف عاجزا عن المساهمة ولو شكليا في حل الكثير من المسائل ذات البعد المصيري والإستراتيجي للمنطقة كما هي القضية اللبنانية التي أصبحت ساحة للصراع الأمريكي الإيراني من جهة، وساحة للمزايدات العربية من جهة أخرى، وكل ذلك في بازار الاستقطاب الثنائي الحاد على المستوى الإقليمي دون أن تشكل المصلحة القومية العربية الحد الأدنى من الإهتمام هنا أو حتى المصلحة الوطنية اللبنانية وضروراتها... وما المسألة الفلسطينية وقضية الصراع العربي الإسرائيلي الا خير شاهد عن حالة العجز العربي الرسمي وانتظاره بشكل دائم لأوامر السيد من هنا او هناك ... ولم تطلع علينا القمة الا بتجديد طرح المبادرة العربية للسلام الموفوضة اسرائيليا وبالتالي امريكيا... و لا اعلم لماذا لا يتم سحبها من التدوال على اعتبار انها مبادرة قد تم رفضها؟؟ اعتقد ان المنطقة تعيش مرحلة ما قبل الحسم والمواجهة، وبالتالي يحاول كل طرف ترتيب موازينه بهذا الإتجاه... وتبقى المصلحة العربية الشعبية الجماهيرية غير واردة في حسابات احد...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018