هل يفعلها بوش في “الصيف الساخن”؟../ عصام نعمان*

البعض في السياسة والإعلام عاد يلمّح إليها. البعض الآخر يحذر منها علناً. إنها الحرب. هل تقع الحرب؟ متى وأين؟ ومن تراه يفعلها؟

عمرو موسى حذر العرب عموماً من “صيف ساخن”، واللبنانيين خصوصاً من أن يكون لبنان ساحتها المفضلة.

ايهود باراك حذر حزب الله من التحرش بـ”إسرائيل”. وهدد بأن “الانتقال من المشهد الهادئ إلى الوضع القتالي يكون في لحظة واحدة ومن دون إنذار”.

وكالة أخبار “نوفوستي” نسبت إلى مرجع روسي امني عالٍ قوله “إن آخر الاستقصاءات الاستخبارية العسكرية تشير إلى استعدادات أمريكية محمومة من اجل شن عملية جويةٍ وبريةٍ ضد إيران”.

بول كريغ روبرتس، مساعد وزير الخزانة في إدارة الرئيس رونالد ريجان، كشف في مقالة نشرها قبل أيام ان الكونغرس ووسائل الإعلام والشعب في أمريكا والأمم المتحدة يشيحون بوجوههم متغاضين بينما يعدّ ديك تشيني للحرب على إيران.

الحرب، وفق هذه التوقعات، ستقع. ساحتها في البرزخ الممتد بين الساحل الشرقي للبحر المتوسط والساحل الشرقي للخليج، أي انها قد تتناول لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق وإيران. زمانها بعد فراغ “إسرائيل” من الاحتفال بمرور ستين عاماً على قيامها، أي اعتباراً من منتصف مايو/أيار لغاية أواخر اغسطس/آب المقبلين. مهندسها تشيني، لكن بطلها المغوار سيكون بالتأكيد جورج دبليو بوش.

لماذا تجدد الحديث عن الحرب؟

ثمة دافع “إسرائيلي” وآخر أمريكي. “الإسرائيليون” أدركوا أن المقاومة اللبنانية دحرت “جيشهم الذي لا يقهر” في حرب صيف العام ،2006 وهتكت هيبته الردعية. لجنة فينوغراد سجلت في تقريرها هذه الواقعة وطلبت إلى الجميع، حكومةً وجيشاً وجمهوراً، ان يعدّوا لحرب تستعاد فيها الهيبة المجروحة.

هناك دافع آخر. إنه البرنامج النووي الإيراني الذي يقولون إنه يهدد أمن “إسرائيل” القومي. ايهود أولمرت وغيره كثيرون في المؤسسة الصهيونية الحاكمة يرون أن “إسرائيل” يجب ألاّ تنتظر إنجاز البرنامج النووي المعادي كي تضرب ضربتها. صحيح انها لا تستطيع بمفردها ان تفعل ذلك، لكن يتعيّن عليها بذل قصارى جهدها لحمل الولايات المتحدة على تولي هذه المهمة ومساعدتها في ذلك، حتى إذا امتنعت، لسبب أو لآخر، توجب على الكيان الصهيوني أن يقوم بأقصى ما يستطيعه عسكرياً في هذا السبيل.

الدافع الأمريكي واضح. إنه الخوف من إيران نووية تتحول دولة إقليمية كبرى وتهدد مصالح أمريكا الاستراتيجية والاقتصادية، خصوصا النفطية، في منطقة الشرق الأوسط الكبير. فوق ذلك، يرى تشيني وزمرة المحافظين الجدد أن على أمريكا شن حربٍ إقليمية لإعادة التوازن بعد الإنجازات التي حققتها قوى المقاومة في لبنان وغزة والعراق.

ثم ان سبباً آخر يدفع بوش إلى ان يفعلها بنفسه. إنه الاقتناع المكين بأن رئيساً آخر، سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، لن يفعلها. زاد في اقتناعه أن الرب يوحي إليه، بحسب زعمه، بأن يفعل ما يفعله. وهو إذ تأكّد ان مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة بات السيناتور ماكين وأن هذا الأخير يوافقه بصورة عامة على سياسته في المنطقة، خصوصاً على ضرورة عدم الانسحاب من العراق، فإنه ما عاد يخشى ان تكون للحرب انعكاسات سلبية على الناخبين الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

هل كل هذه الدوافع والاعتبارات تبرر لإدارة بوش شن حرب إقليمية جديدة؟

الحقيقة أن أياً منها لا يبرر الحرب. فوق ذلك، تردّى الاقتصاد الأمريكي في الآونة الأخيرة لدرجة بات متعذراً معها توفير اعتمادات إضافية لحربٍ جديدة لا يعرف أحد متى ستنتهي وما تكلفتها الحقيقية في نهاية المطاف. ألم تتجاوز تكلفة حرب العراق 3 تريليونات دولار ولماّ تنتهِ بعد؟

كل الوقائع الميدانية والصعوبات الاقتصادية والتطورات السياسية والمنطق السليم تشير إلى صعوبة، إن لم تكن استحالة، قيام بوش وتشيني بشن حرب جديدة في المنطقة. لكن المعلومات الاستخبارية المستقاة من مصادر عليا موثوقة في روسيا وألمانيا تشير إلى العكس. في هذا المجال تتوفر “مسوّغات” أخرى للحرب يجري تداولها على النحو الآتي:

أولاً، يقال إنه ليس لدى إيران أسلحة متطورة، هجومية ودفاعية يمكنها ان تعطل فعالية الأسلحة الأمريكية البالغة التطور، الأمر الذي يمكّن القوات الأمريكية من تعطيل الصواريخ الإيرانية قبل انطلاقها.

ثانيا، قامت الولايات المتحدة، احتياطاً، بنشر مجموعة من الدفاعات المضادة للصواريخ لحماية قواعدها العسكرية وحقول آبار النفط السعودية.

ثالثا، تشجّع بوش لشن الحرب بعدما اخفق الحزب الديمقراطي كما وسائل الإعلام في إدانته تمهيداً لإقالته رغم ثبوت كذبه على الكونجرس وعلى الشعب لجهة الادعاء بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. هكذا سيختلق بوش ذريعة جديدة لشن الحرب في المدة المتبقية من ولايته من دون أن يكون مهدداً بمحاسبة سياسية أو قضائية فاعلة.

رابعاً، تبدو إيران واثقة ومطمئنة إلى أن إدارة بوش لن تشن الحرب عليها، الأمر الذي عطّل إمكان توعية الرأي العام الأمريكي بمخاطر الحرب ودفعه بالتالي إلى ممارسة الضغوط اللازمة لوقفها.

خامساً، تخطط إدارة بوش لشن ضربة خاطفة أو لسعة صاعقة ضد إيران تُقاس بالساعات وليس بالأيام من أجل تدمير بنية إيران العسكرية التحتية، وقاعدتها الصناعية، وما تيسّر من منشآتها النووية وذلك بسرعة قياسية لتجد إيران والعالم نفسيهما حيالها أمام أمر واقع تتعطل معه المقاومة ومتابعة الحرب.

مع ذلك، ثمة بين المحللين الاستراتيجيين من يعتقد أن “المسوغات” المار ذكرها، رغم أرجحية بعضها، لا تشكّل محرّضات كافية لممارسة بوش فعلاً جنونياً إضافياً. وثمة من يعتقد أيضاً أن إدارة بوش، كما القيادة “الإسرائيلية”، حريصتان على إشاعة جو من الخوف والتخويف بحرب ضد إيران وسوريا من اجل وقف التداعيات الناجمة عن تعثر أمريكا في العراق وأفغانستان وعن اندحار “إسرائيل” أمام المقاومة في لبنان.

كل ذلك من أجل لجم إيران وسوريا، ولاسيما المقاومة في غزة ولبنان عن القيام بعمليات ميدانية، مباشرةً أو مداورةً، يكون من شأنها إلحاق مزيد من الخسائر والأضرار البشرية والاقتصادية والسياسية بالولايات المتحدة و”إسرائيل”.

غير ان ابرز أسباب استبعاد الحرب اثنان في رأيي: إرادة القتال والنفس الطويل لدى قوى الممانعة والمقاومة في دنيا العرب والعجم، والمفاجآت التي أعدتها تلك القوى وتعرف إدارة بوش ان من شأنها تغيير مصير المنطقة.
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018