واشنطن تفتح ذراعيها في العراق!../ محمود المبارك*

الدعوة التي وجّهها حاكم العراق الفعلي سفير أميركا ريان كروكر الى الدول العربية يوم الجمعة الماضي لإعادة فتح سفارات بلادها في بغداد، وإن كانت تنمّ عن كرم أميركي أصيل، إلا أنها تثير أسئلةً مريبةً في ذهن رجل الشارع العربي!

ذلك أن السفير - الذي لا تزال بلاده تحتل العراق احتلالاً غير مشروع - كان يجب ألاّ يخفى عليه أن الوضع الأمني في العراق هو سبب إحجام الدول العربية عن إرسال بعثاتها الديبلوماسية إلى بغداد. وقد كان الأولى بالمسؤول الذي أمضى عاماً في بلاد الرافدين، بدلاً من الإعراب عن تأفّفه وتذمّره من عدم زيارة مسؤولين عرب إلى بغداد منذ وصوله إليها، أن يعلم أن حياة المسؤولين في الدول العربية ليست رخيصة!

وبغضّ النظر عن حقيقة أن دعوة السفير الأميركي تعتبر إدانةً لبلاده، لتدخلها في الشؤون الداخلية لدولة تزعم أنها ذات سيادة، فإنه يبدو أن واشنطن تريد أن تثبت «عدالتها» في المعاملة بين شعوب ومسؤولي الدول العربية من حيث انعدام الاكتراث بحياتهم!

هذا النّمط من التفكير ليس بمستغرب على الإدارة الأميركية، التي ربما شُغلت بسرقة نفط العراق عن إصلاح أوضاعه الأمنية والاقتصادية، والتي لا تزال تلقي اللّوم على جيران العراق في التسبب باختلال أمنه، بدلاً من الاعتراف بتعمّد تضييع أمنه منذ الأيام الأولى للاحتلال في اتّباع سياسة «الفوضى الخلاّقة»!

ولكن الأمر غير المفهوم هو أنه، على رغم اعتراف الديبلوماسي الأميركي بأن «الوضع الأمني لا يزال صعباً»، إلا أنه مع ذلك يصرّ على أن «فتح السفارات العربية سيعين على استقرار العراق»! وإذا كان السفير الأميركي يعتقد أن الشعوب العربية تتمتع بدرجة غباء حكومته في قبول تسويق دعواه في أن مشكلات العراق ستنتهي بمجرّد افتتاح سفارات عربية في بغداد، أو أن عدم وجود سفراء عرب في المنطقة الخضراء يثير غضب الشعب العراقي، فربما كان عليه أن يتعلم طريقة فهم العقلية العربية بعيداً عن مدرسة إدارة رئيسه، صاحبة تهمة أسلحة الدمار الشامل، أو «كذبة القرن» كما سبق أن أطلقتُ عليها من قبل.

من أجل ذلك، كان يحسن بالخبير الذي شملت خدمته الديبلوماسية العمل في سبع دول شرق أوسطية قبل محطّته الأخيرة في العراق، أن يعلم أنه إذا لم تُهرِع الحكومات العربية لإجابة طلبه، فإن سبب ذلك ليس عائداً إلى فشله في الإقناع بقدر ما هو عائد إلى معرفة هذه الحكومات بواقع الحال الأمني في العراق الذي لم يعد يخفى على القاصي والداني.

فالحكومات العربية التي ترقب زعيم أقوى دولة في العالم وهو لا يدخل العراق أو يخرج منه إلا في جنح الليل كما يفعل السارق، ولا يتمّ الإعلان عن زيارته وكذلك زيارة بقية المسؤولين في حكومته، إلا بعد هروبهم من العراق، قد يكون من الصعب عليها قبول تصريحات السفير الأميركي في أن العراق أصبح أكثر أمناً!

والديبلوماسيون العرب الذين شاهدوا هرولة الأمين العام للأمم المتحدة وهو يقطع مؤتمراً صحافياً بعد أن سمع دوي انفجار على مقربة أمتار من مقر مؤتمره الصحافي في المنطقة الخضراء ثم يهرب بعد ذلك ولا يعود لمثلها أبداً، قد يحملون الشعور نفسه في عدم رغبتهم في الوصول إلى ذلك المكان!

والدول العربية التي مرّ بعضها بتجارب مريرة في الماضي لديبلوماسييها في العراق، حيث قتل سفير مصر ونجا السفير البحريني عام 2004، من عملية اختطاف بعد أن تعرض لبعض الإصابات، قد لا تجد حماسة للعودة مرةً ثانية، وإن صدرت منها تصريحات خلاف ذلك استجابةً للضغوط الأميركية التي لم تعد سريّة بأي حال.

وبمناسبة الحديث عن التناقض بين ما تخفيه وما تظهره الحكومات العربية حول إرسال بعثاتها الديبلوماسية إلى بغداد، فإنه بات واضحاً اليوم أن الحكومات العربية مقتنعة بأن الوقت لم يحن بعد للتمثيل الديبلوماسي في بغداد لأسباب عدة، أهمّها عدم وجود الأمن!

وحقيقة الأمر، أنه يجب على الحكومات العربية أن تضع أولوياتها ومصالحها القومية قبل مصالح واشنطن، حين تقف وقفة شجاعة أمام الاستبداد الأميركي في رفضها تعريض ديبلوماسييها للخطر، لأن واشنطن تتحمل وزر اغتيال الأمن العراقي منذ البداية، وإلى أن يعود الأمن إلى دجلة والفرات، ليس للبيت الأبيض أن يسأل هذه الدول فوق طاقتها، ولتُترك الإدارة الأميركية تجني ثمار حكمتها الثاقبة في خلق الفوضى الخلاّقة!

إذ الذي يجب أن تعلمه واشنطن أن الأمة العربية والإسلامية لم تعد قادرة على تلبية طلباتها غير المنتهية، والتي كلّما أجيب طلب تبعته طلبات. ألا يكفي البيت الأبيض أن الدول الخليجية تنازلت عن عشرات البلايين من الديون العراقية لأجل عيونه؟

ولأجل أنفه وآذانه أيضاً شمّرت الدول العربية عن سواعدها وزجّت بأبنائها في المعتقلات، لتعلن وقوفها مع ما سمي بـ «الحرب ضد الإرهاب» منذ الأيام الأولى لأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فلِمَ لا تلق هذه الدول من السيد الأميركي إلا العتب بعد العتب؟

ألم تكتف إدارة بوش بأنها كلفت خزانة الدول المجاورة مئات الملايين في بناء جدار عازل يفصل العراق عن تلك البلدان، في حين كان الأولى أن يُبنى هذا الجدار من الداخل العراقي وعلى حساب الخزانة الأميركية لا على حسابنا نحن؟ ثم كيف تجرؤ الولايات المتحدة على أن تطلب من الدول العربية الغنية إعادة إعمار العراق، في حين أن اميركا تتحمل وحدها مسؤولية تدميره، ولا نجرؤ نحن على مجرد الإشارة إلى أن إعمار العراق إن لم يكن على حساب الخزانة الأميركية كما فعلت خطة مارشال في إعادة بناء أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فليكن من حساب النفط العراقي الذي لا يعلم مصير عوائده إلا الله وحفنة من اللصوص!

واليوم! لم يبق للإدارة الأميركية إلا أن تتبجّح بإصرارها على إرسال بعثاتنا الديبلوماسية الى العراق لتواجه مصيراً مشؤوماً! هل نسيت أم تناست إدارة بوش أنه حتى شركات التأمين الأميركية لا تدفع تعويضاً للمواطنين الأميركيين الذين يموتون في العراق، معتبرةً الذهاب إلى العراق نوعاً من الانتحار؟!

حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة بهذه الدعوة وغيرها من الدعوات غير الكريمة، لا تبحث عن مصالحنا نحن، وإنما تبحث عن مصلحتها هي. ويبدو أن الوقت قد حان لرفع الصوت قليلاً أمام المستبدّ الأميركي لنعلنها صريحة مجلجلة: إننا لن نسمح بالتضحية بحياة أبناء شعبنا دفاعاً عن البيت الأبيض وسياساته الرعناء.

المثير للسخرية هو ما صرح به السفير الاميركي في المؤتمر الصحافي ذاته من أن إعادة فتح السفارات العربية ستعين على مواجهة النفوذ الإيراني في العراق! وفي ظني أن السفير إذا كان يعتقد جازماً أن مثل هذا الادّعاء يؤخذ بالقبول في أذن الأمة العربية، فإنه ربما كان على مرجعه أن يعيد النظر في أهليته كسفير لبلاده في الخارج!

ولكن، هوّن عليك أيها السفير كروكر. فأنت لم تقصد سوى فتح منطقتك الخضراء وبيتك للسفراء العرب! وإذا لم يكن في هذا من الإغراء ما يكفي، فهناك ملايين من أبناء الشعب العربي ممّن يودّون زيارتك ويأملون بكرمك «العربي» المكتسب، وكل ما يحتاجه هؤلاء هو عنوانك في المنطقة الخضراء!
"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018