ما بين القتل في غزة والرقص برام الله../ يونس العموري

في ظل الأحمر القاني أما آن الأوان لهذا الكفر من نبي يوقف غيه...؟؟ وأما آن الأوان لهذا العهر من مخرج...؟؟ وأما آن الأوان لهذا الإنهيار والسقوط من قاع يتوقف عنده كل هذا الخنوع .... ؟؟ صار القتل طبيعيا، والقتلى يسقطون هناك بعاصمة الفقراء التي تسمى اليوم مجازا (غزة) وهي مرتع لممارسة كل أشكال القهر، وتجربة النظريات الحديثة في فنون السادية البشرية، والمباشرة بتطبيق حكم أمراء الإمارة الجديدة في ظل استواء مقارعة الحجة بالحجة والكلمة بالكلمة، وبالتالي لابد من سقوط القتلي من على هوامش سجال الكفر والعهر وعبثية الكلام والصراخ...

ونحن قابعون هنا نرقب المشهد من جديد، ولعلنا نشترك مع عواصم العرب والعجم بالأسف عما يجري.. صرنا غرباء عنهم، وكأننا في بلد آخر غير تلك التي تسمى مجازا اليوم غزة... وصرنا نحتسي قهوتنا وننعم برغد عيشنا، ولو نسبيا، ونرقب مشاهد القتل والذبح من الوريد للوريد.. نحن بهذه الأرض التي تسمى الضفة الغربية ننعم بالحكم الرشيد والعيش الكريم في ظل إدارة سادة الليبرالية الواقعية السياسية الجديدة التي تميل حيثما يجب أن تميل، وفقا لتعليمات عواصم النفط، وربما أيضا عواصم صناعة البورصات والصعود والهبوط في عوالم البزنس...

هو الذبح العشوائي والعبثي... وممارسة لهو الكلام.. وسادة العصر ينطقون بأسماء القتلى بكل مكان.. ويصرخون ويملأون الدنيا ضجيجا... ويتوعدون ويهددون، وربما يمارسون فن صناعة الخطابات وأصول البلاغة بالكلام... وأشلاء القتلى متناثرة بكل الأمكنة ... وصارت لعنة بكل الطرقات وتناشدهم بأن اخرسوا وكفوا عن مهاتراتكم.. وصهيل خيولهم صارت مزعجة... ففي ظل الأحمر القاني لابد أن يمسك الكل عن الكلام ... ولأن المشهد قد صار قاسياً بقسوة سماء غزة، ولأن يومنا هنا قد صار مشوهاً، ولا مجال لفعل الركوع لرب عزة السموات والأرض حيث صار فعلا ارهابيا، ومطاردة ذواتنا بحواري الضفة هنا وغزة هناك يشغل بال كل الكاميرات التي تحاول أن تختبئ ما بين الأجساد المتراكضة هرباً او ربما خوفا من أن لا تصل الصورة إلينا...

مرة أخرى أيها السادة نجدنا عجزة ونجد أنفسنا تقف عند أعتاب خيانة الموقف... ربما نذرف الدموع أو تقشعر أبداننا على بشاعة المشهد.. وربما نلوم من التقط صور تكور وتقطع اجسادهم... مرة أخرى نحاول أن نتعايش وهذا اللامعقول وهذا الجنون... وربما أيضا نتضرع إلى الرب بقبولهم واحتسابهم شهداء، ولعلنا هنا نمارس شيئا من فعل النضال عندنا... وإن كنا سنبالغ أكثر ربما نصرخ أو نتكور على أجسامنا ونعاقب ذواتنا بتلك الليلة ونمتنع عن ممارسة اللهو ونساءنا ...

ولأننا صرنا الممزقين ما بين إمارة غزة وحكامها، وحاكمية رام الله وزعمائها، صرنا التائهين بكل شيء، وصرنا نشك بفلسطيننا، ونشك بأحلامنا، ونشك بأجسادنا، وهل من الممكن أن نمتلك زمام مبادرة أحلامنا من جديد...؟؟ بعد أن صرنا مبرمجين لردود أفعالهم وفق أهوائهم ووفق رغبات سادتهم وسادة وقادة أحلاف محاورهم... وفعل القتل المتواصل.. نجدنا عجزة... ونمارس فن العهر واللعب على الكلمات حتى نسجل انتصارا على الخصم... كل شيء صار مباحا وفعل القتل مباحا وتمزيق الأجساد أيضا مباحا واغتيال الصورة مباحا... لكن السؤال الأكبر.. من الذي أباح كل هذا ..؟؟ هل هو من يتربص بأحلامنا ويقذف نيرانه علينا...؟؟ أم أنه ذاك المتربص بحوارينا ويمارس فن تطويع أذهاننا....؟؟

كان المشهد أكثر من القدرة على الإحتمال... وكان التناقض صارخا هذه المرة... قتل وتدمير بغزة وسقوط شهداء.. ورقص وهرج ومرج بشوارع رام الله بالذكرى المئوية للإحتفال ببلديتها... والسيد الجديد يعد بالرخاء ويضيء الشعلة.. أصبحنا وكأننا نرقب المشهد لنستشعر بفلسطينيتنا فقط عن بعد.. ونمارس فن العهر من جديد....

وحيث أن هؤلاء جميعاً قد صاروا الأمراء والزعماء... فمن الطبيعي إذن أن يتحول السجال والكلام إلى احتراف أصول فعل السياسة ودهاليز تسجيل النقاط بلغة المواقف على الآخر التي أصبحت هي اللغة السائدة والأم التي يتحدث الجميع وصار الدم طبيعيا أن يراق... وغابت عن ذهنهما لغة الثورة المقاومة والممانعة التي انسحبت من مشهد وقائع الفعل الفلسطيني الراهن، وبالتالي لابد أن يأخذ الجرح الفلسطيني المعتق دوره في المعركة.. ولابد أن يعود ليقص حكايته من جديد كشاهد عيان على التضحية، وكضحية في ذات الآن.. وقد أنيط به دور الطعم الذي يتم به اصطياد الغنائم.. فهذا زمن تباع فيه بلاد وتشترى أخرى زمن تعرض فيه فلسطين بالمزاد الدبلوماسي، أو يصطحبها أصحاب المغانم معهم في الحفلات التنكرية كبرستيج تراثي..

هو المشهد الفلسطيني بخربشات تناقضات سادتنا وألاعيب ممارساتهم إرضاءاً لمولانا... ولسيد بلاد العم سام... ولحراس عصر العولمة... بهذا المساء كان القتل والضرب سيد الموقف...

هو فعل الإنتظار من جديد.... هكذا صارت فلسطين تنشد رحمتها من سادة المدن الأخرى.. ويهرب ونهرب معهم نحن أبناء هذا الوطن بعد أن صرنا الغرباء عن المكان، وصارت ذاكرتنا لا تحتمل المشهد الذي يأتينا... أي أننا نهرب من الرمضاء إلى النار... ولنا أن نختار ما بين الهرب في وضح النهار أو متسللين تحت جنح الليل خلف جدران العتمة...

وصار الناطقون المتمنطقون بالحجج ووثائق أوهام الحقيقة أبطال اللغة وسادة الموقف.. والناطق الرسمي باسم الجرح باهتاً مطارداً مطروداً خارج ذاكرة الزمان والمكان، والسادة قد انسحبوا بإرادتهم تمهيداً لما سيكون من مشاهد المخيمات المترامية على مساحات الذاكرة المدججة بالمذابح.. ثم هاهم المثقفين الذين يبصمون بالحبر على قدسية الدم فيعتقون نبله..

فلسطين هي فلسطين البريئة من غرماء الدم الواحد.. فلسطين ليست المنشطرة كأنها ذرة يورانيوم مخصبة... قد صارت منشطرة... ولأن فلسطين اليوم ليست تلك الفلسطين التي نعرفها.. فلابد إذن من أن نرحل من فلسطينهم حتى نستعيد فلسطيننا....