آن أوان انطلاقة المسار السوري - الإسرائيلي../ عماد فوزي شُعيبي*

في التاسع عشر من تموز (يوليو) 2007 وضع الرئيس السوري بشار الأسد مجموعة شروط لبدء المفاوضات على المسار السوري - الإسرائيلي، وكانت على النحو الآتي:

«أولاً المطلوب من المسؤولين الإسرائيليين إعلان رسمي وواضح وغير ملتبس حول رغبتهم في السلام. أما أن يقولوا لن نفاوض سورية ويرسلوا لها رسائل بشكل سري، فهذا أمر غير مقبول. وليكن إعلاناً واضحاً وجدياً.

ثانياً تقديم الضمانات حول عودة الأرض كاملة إذ لا يمكن أن تدخل سورية مع إسرائيل بمفاوضات لا تعرف حول ماذا ستدور موضوعاتها، ذلك أن التجربة معها تجعل سورية لا تثق بها وهي تجربة قد أساءت أكثر للثقة التي لم تكن موجودة بالأساس قبل السلام.

ثالثاً: لا بد من ضمانات لكي يضمن السوريون أن الحديث ليس حول الأرض التي ستعود، لأن الأرض ستعود كاملة، على أن يتم النقاش حول موضوع الترتيبات الأمنية وطبيعة العلاقات السلمية كما حصل في التسعينات أيام رابين».

وإذا لاحظنا تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت الأخيرة، سنرى أن هنالك ما يشبه الاستجابة الواضحة من حيث المبدأ إلى الشرط الأول الذي وضعه الرئيس الأسد أي الإعلان الواضح عن الرغبة في السلام خلافاً للطريقة السابقة (الإعلان عن عدم الرغبة أو رمي الكرة للملعب السوري وفي الوقت نفسه إرسال رسائل بالرغبة في السلام)، أضف إلى هذا أن تصريح أولمرت بأن سورية لا تشكل تهديداً نووياً لإسرائيل يمكن اعتباره تقويضاً للاتهامات السابقة واعتذاراً (من موقع العدو!) عن الخرق الذي حدث للأراضي السورية في أيلول (سبتمبر) 2007، كما أن الإشارات المتتالية بخصوص عودة الجولان تعطي انطباعاً بأن إسرائيل قد قدمت للطرف الثالث، على الأقل، وهو الذي أكد الرئيس الأسد ثقته به في إحدى خطبه، التعهدات - الضمانات التي طلبتها سورية لانطلاق العملية السلمية على المسار السوري الإسرائيلي. وبالتالي فإن أي مفاوضات مقبلة لن تنطلق من فراغ، بل ستأخذ في الاعتبار كل ما تم إنجازه سابقاً، فلا عودة إلى نقطة الصفر ولا نكران للتفاهمات التي أنجزت في المفاوضات السابقة والجهود التي تلتها.

كل المؤشرات تقول إن سورية قد عادت إلى المربع الأول أي إلى وضع إقليمي يسمح فعلياً بانطلاق العملية السلمية، إذا لا مناص لدى الإسرائيليين بعد هزيمة 2006 من أحد احتمالين:

** إما الذهاب نحو عمل عسكري يتجاوز الحماقة إلى الجنون، ويهدد للمرة الثانية والأخيرة، ربما، المذهب العسكري الإسرائيلي، الذي يقوم على مقايضة العمق المدني! الإسرائيلي بالعمق المدني للآخرين، بالانهيار، وهو خيار لا بد من أنه سيضع إسرائيل أمام احتمالات توسيع دائرة الحرب إلى حد انفجار شامل لا تطيقه ولا تستطيع أن تحدد له مساراً مأموناً أو أن تجد له مخرجاً.

** أو الذهاب إلى عملية سلمية رصينة مع السوريين الذين لن يقبلوا أن تكون خديعة لتقطيع أوصالهم الإستراتيجية، أو إدخالهم في لعبة المسارات، للضغط على المسار الفلسطيني.

في كل الأحوال، من الواضح - تحليلاً - أن المسار السوري قد أصبح خياراً إقليمياً - دولياً، على رغم كل الضغوط الكلامية التي تأتي من واشنطن، والتي تُشعر حجم المأزق الذي تعـيــشه إدارة الرئيس الأميركي الهشة والموغلة في تصريحات إيديولوجية درجاً على عادتها، إذ أن خيار الحزب الجمهوري هو استحداث (مناخ أو إنجاز سلمي قبل شهر أيلول) لتهيئة المناخ أمام جون ماكين انتخابياً، كما أن عائلة بوش تحمله مسؤولية انهيار سمعة العائلة فيما يطالب جورج بوش بإنجاز سلمي شرق أوسطي صوناً لسمعة العائلة وتمهيداً لترشيح ابنه للرئاسة بعد أربع سنوات.

سيتعلم الأميركيون فور انطلاق المسار السوري الإسرائيلي لغة أخرى مختلفة عن سورية، وليست زيارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر قفزة في الفراغ، ولا تصريحاته حول عزم سورية على المفاوضات، كما أن قول أولمرت في حديث لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية: «توجد أشياء ليس لدي الاستعداد لمناقشتها»... أقل من إعلان أولي عن التعامل الواقعي مع حقيقة لا مناص من الاعتراف بها وهي أنه لا يمكن القفز فوق سورية.

لا خيار نحو الحرب. هذا الخيار أصبح من الماضي الإيديولوجي الذي أنتج مقولات من قبيل الحرب الاستباقية وحرباً (دونكيشوتية) على الإرهاب. وحتى على الشق الإيراني من تهديدات الحرب فإن الحل الوحيد لإدارة انتقلت من بطة عرجاء إلى بطة مشلولة ليس ثمة ما يتجاوز الحل على طريقة كوريا أو المشروع الأوروبي للتخصيب الدولي.

وعلى رغم أن الإشارات إلى أن هنالك إمكان لتفعيل المسار السوري الإسرائيلي إلا أن الرئيس الأسد أكد في لقاء جمعه واللجنة المركزية لحزب البعث أن قراره هو أن المقاومة والممانعة هي الخيار الاستراتيجي الذي سيتمسك به، بمعنى أن سورية لن تذهب الى مفاوضات تحت شروط الآخرين التي تهدف إلى إضعافها تحت قاعدة إنجاز سلام مقابل السلام، أو سلام الأمر الواقع، فمن المؤكد أن سياسة الممانعة السورية ونتائجها في حرب 2006 بدأت تستثمر.

الرسالة الأبرز إلى الدور السوري الإقليمي الجديد جاءت من خلال قول الرئيس الأسد انه يؤكد حرص بلاده على أمن المنطقة واستقرارها وإشارته إلى الجهود التي تبذلها سورية لتحقيق هذه الغاية سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان بما يكفل مصالح الشعب العربي، وهذه الرسالة تعني أن ما يشبه الرزمة المتكاملة من القضايا الإقليمية ستكون متساوقة مع أي مناخ سلمي جدي في المنطقة.

لا محادثات أو اتصالات سرية مع إسرائيل مهما كان شأنها، وكل ما يمكن أن تقوم به دمشق في هذا الشأن سيكون معلناً أمام الرأي العام في سورية، وبالتالي فإن نغمة اللقاءات السرية التي كثيراً ما استخدمت لتقويض صورة السياسة السورية ستختفي دفعة واحدة، وعلى الأغلب فإن السياق السلمي قد عُين مسبقاً وكان الرئيس الأسد قد وضعه في خطاب 2007 السابق الذكر:

1- الدور الذي يقوم به الطرف الثالث لتأكيد القواعد الأولى للمفاوضات.

2- مفاوضات غير مباشرة بإرسال شخص إلى الدولة الوسيطة لتحديد قواعد المفاوضات، على أن لا يلتقي بالإسرائيليين، ولكن هذا يسرّع التفاوض.

3- بعد أن تطمئن سورية إلى ذلك تبدأ المفاوضات المباشرة.

لن يقبل السوريون بطبيعة الأحوال بأن تكون المفاوضات مضيعة للوقت أو استهلاكاً للزمن، وهم يفضلون وجود الطرف الأميركي كشريك نزيه في هذه المفاوضات، الأمر الذي يستدعي انتقالاً أميركياً سريعاً إلى لغة السياسة الواقعية.

على كل حال، الثابت الوحيد هو المتغير والمتغيرات باتت مكثفة... وواعدة.
"الحياة"