حرائق متنقلة في تخوم الامبراطورية../ إلياس سحاب

يتزايد اهتمام العالم، من خارج الولايات المتحدة، يوماً بعد يوم، بالشؤون والشجون الداخلية للولايات المتحدة، وخاصة تفاصيل معركة الانتخابات الرئاسية في السنوات الأخيرة، لأن أي تحولات يمكن أن تحدثها هذه الانتخابات على مسار ساكني البيت الأبيض في واشنطن، تصبح بالتدرج شأناً عالمياً، يخص كل منطقة في العالم تؤثر فيها وفي مصير شعبها، السياسة الكونية للامبراطورية الأمريكية. وبما ان الكرة الارضية بأسرها أصبحت في العقد الأخير مسرحاً للنفوذ الامبراطوري الكوني الأمريكي، وسياسته الخارجية، فإن شؤون وشجون المعركة الرئاسية الأمريكية، تصبح يوماً بعد يوم شأناً سياسياً مشتركاً، يهم جميع شعوب الأرض، خاصة شعوب الأمة العربية، في هذه السنوات الأخيرة بالذات.

لذلك، كتبت في مطلع العام الأخير من ولاية الرئيس الأمريكي بوش، أحذر القراء العرب من الاستكانة الى المقولة الأمريكية الشهيرة التي تصف الرئيس الأمريكي في السنة الأخيرة من ولايته الثانية ب “البطة العرجاء”، أي الحاكم العاجز، لأن التجديد يصبح بالنسبة له أمراً يمنعه الدستور، فيتحول في هذا العام الأخير من صاحب سلطة مطلقة، الى أسير لسياسة استعداد حزبه لمعركة الانتخابات الرئاسية القادمة.

كتبت أحذر العرب، بشكل خاص، من الاستكانة لهذه المقولة، والنوم على حرير أن العام الأخير من ولاية بوش الثانية، سيتحول حكماً الى انكفاء للسياسة الخارجية لحاكم البيت الأبيض، وطاقم المحافظين الجدد المحيط به، وقلت إن هذه “البطة العرجاء” في البيت الأبيض، قد تتحول في عهد لديه هذه الشراهة المنقطعة النظير للتدخل في شؤون جميع الأقطار، من “بطة عرجاء” الى “بطة شرسة”.

إن من يراقب تصرفات وتحركات السياسة الدولية الأمريكية، منذ أواخر العام المنصرم بشكل خاص، يتخيل أن السياسة الدولية الأمريكية هي، خاصة في السنوات الأخيرة، سلسلة من النجاحات المنقطعة النظير، وأن شعبية الرئيس بوش وحزبه الجمهوري، هي في ذروة قياسية، وأن الاقتصاد الأمريكي في أحسن أحواله، وسمعة الولايات المتحدة بين سائر شعوب الأرض هي في ذروة تاريخية لم يسبق لها مثيل، ذلك أن العام الأخير، أي الثامن من ولاية بوش الرئاسية، قد تحول من عام للانكفاء، والتعقل، وإعادة النظر في كل تصرفات السنوات السبع السابقة، خاصة التصرفات الخارجية في نطاق السياسة الدولية، وذلك لتحسين الظروف المحيطة بحزب بوش الجمهوري، وحظوظ مرشحه للرئاسة، الذي يبدو أنه سيكون جون ماكين، الى عام هجومي بامتياز.

والحقيقة أن مراقبة هذه النزعة الهجومية الشرسة في السياسة الأمريكية الدولية، وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، تكون أسهل ما تكون في منطقتنا العربية والجوار الجغرافي المحيط بها (أي في الشرق الأوسط الكبير، كما يقول الاصطلاح الدولي).

هناك طبعا عدة مؤشرات حسية تشير الى أن العام الرئاسي الأخير في ولاية بوش قد تحول من عام انكفاء محتمل في السياسة الدولية، الى عامل شراهة قصوى في التدخل في إطار “تخومها الامبراطورية” الشاسعة الأطراف، على طريقة الخليفة هارون الرشيد، عندما شاهد غمامة بعد طول انحباس للمطر فخاطبها قائلا: أمطري انى شئت، فإن خراجك عائد الي.

يكفي أن نلقي نظرة سريعة على حراجة الأوضاع في السنة الأخيرة، في ثلاث أزمات عربية، هي في صميم الإطار العالمي للنفوذ الامبراطوري الأمريكي: أزمة فلسطين، وأزمة العراق، أزمة لبنان.

في فلسطين، تتوازى باندفاع غريب كثرة الحديث (حتى على مستوى الرئاسة الأمريكية) عن اقتراب الحل التاريخي، مع نهاية هذا العام، وقرب موعد قيام الدولة الفلسطينية الموعودة، مع كثرة العمل “الاسرائيلي” - الأمريكي المشترك والدؤوب على ضرب آخر ما تبقى من الأسس الجغرافية والسياسية للاحتمالات الحقيقية لقيام الدولة وتبلور التسوية التاريخية. حتى ظهر في الأفق الدولي مؤخرا تعبير أمريكي، يكثر تردده على لسان أكثر من مسؤول أمريكي، ينذر بالشر المستطير اذا انتهت ولاية بوش، دون بلوغ هذا الحل التاريخي الموعود. وهو حديث أشبه بالتنصل المسبق وبغسل اليدين المسبق من الجريمة المؤكدة التي يتشارك الطرفان الأمريكي و”الاسرائيلي” في ارتكابها بحق مستقبل فلسطين، وليس حاضرها فقط.

وفي العراق، وبدلاً من وضع افق زمني، حتى لو كان مداه سنوات عديدة وليس أشهراً عديدة، للانسحاب الأمريكي، يكون قاعدة صلبة وواقعية وعملية للملمة أشلاء العراق المتناثرة من جهة، وترميم علاقاته بدول الجوار الطبيعي من جهة ثانية، بدلاً من ذلك، تعلو نغمات نشيد الانتصار الأمريكي الوهمي، في صلافة وادعاء لا مثيل لهما، لتغطية مسلسل الفشل العسكري والسياسي الأمريكي الذريع في العراق، بضوضاء أناشيد الانتصار الوهمي، مما يضع مصير العراق وأهل العراق، والجوار الطبيعي للعراق (في تركيا وايران وسوريا)، على كف عفريت، ومع إذكاء لنار الأزمة العراقية، بدل محاولة إطفاء النار، كبداية منطقية للبحث عن حل يخرج جميع الأطراف من الأزمة المستحكمة.

أما في الأزمة اللبنانية، فكلما اقتربت الأطراف اللبنانية المتخاصمة من احتمالات التفاهم على حلول وسط، جاءنا مندوب من واشنطن (في المدة الأخيرة كان مساعد وزيرة الخارجية جورج ولش أنشط المبعوثين وأكثرهم ترددا على بيروت)، لشد عزائم التيار السياسي الموالي للسياسة الأمريكية، وإنشاد قصائد المديح في الفراغ الرئاسي اللبناني الحالي، وفي أن أكثر ما يناسب السياسة الدولية للامبراطورية الأمريكية، هو الوضع الحالي في لبنان، الذي يضع أهله على شفير هاوية لا قرار لها.

هذا عن مضمون الحركة الامبراطورية الأمريكية في إطار السياسة الدولية في بعض المناطق، أما على صعيد الشكل، فإن احصاء بسيطاً لزيارات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الى المنطقة، بمعدل أصبح أسبوعياً في الفترة الأخيرة، يوحي بأن شعور المحافظين الجدد بنزعة السيطرة الأمريكية، قد بلغ حداً جعل مناطق نفوذهم الدولية، أقرب لهم من أقرب ولاية أمريكية داخل الحدود الرسمية للمركز الامبراطوري. كما ان دعوات السياسيين المحليين، للتردد على واشنطن، وطلب البركة (والتعليمات)، تعيد الى الأذهان نسخة طبق الأصل من حقبة الباب العالي في الآستانة أيام الامبراطورية العثمانية.

مع بلوغ العام الأخير من ولاية الرئيس بوش منتصفه، نسأل الله اللطف في نتائج الحرائق المتنقلة في التخوم الامبراطورية في هذا العام، وتخفيف عملية صب الزيت على هذه الحرائق، مع أن سعر برميل النفط قد تجاوز سقف المائة دولار.
"الخليج"

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية