معنى المقاومة في مواجهة التحديات../ عوني فرسخ

في الخامس والعشرين من مايو/ أيار ،2000 سجّلت المقاومة اللبنانية أول إنجازاتها في مواجهة التحالف الأمريكي - الصهيوني والسائرين في ركبه، وذلك بإجبارها قواتِ الاحتلال الصهيوني على الانسحاب من أراضي الجنوب اللبناني، فيما عدا مزارع شبعا، مسجلة بذلك أول سابقة في تاريخ الصراع الذي فجّرته إقامة مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ للمرة الأولى في تاريخ الصراع يُفرَضُ على قوات العدو الصهيوني الانسحابُ من الأرض العربية المحتلة تحت ضغط المقاومة الشعبية، ومن دون أن يسبق ذلك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، أو تقديم تنازلات من أي مستوى. فضلا عن أنها بذلك فرضت على صناع القرار الصهيوني تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425 رغما عنهم، في سابقة ليس لها نظير في تاريخ الصراع كله، مسجلة بذلك نقلة نوعية في الاستجابة العربية للتحدي الإمبريالي - الصهيوني.

وإذا كان يُذكر لقيادة المقاومة اللبنانية وقواعدها دورها التاريخي في هذه النقلة النوعية، إلا أن المقاومة ما كانت لتحقق إنجازها المتميّزَ لولا أن ظهرها كان محميا بالموقف الوطني للرئيس إميل لحود، وللجيش اللبناني الذي كان العماد لحود قد أعاد تشكيله وأرسى عقيدته باعتبار تناقضه الرئيسي إنما هو مع العدو الصهيوني، وهو ما كان له انعكاسه الإيجابي على مواقف قوى الأمن وأجهزتها تجاه حركة رجال المقاومة، بحيث توفرت لها حرية الحركة، وأمن مؤسساتها، ودرجة ملحوظة من التفاعل الإيجابي مع وحدات الجيش وأجهزة الأمن في مناطق تواجدها. وعليه، فالإنجاز الأول لم يكن إنجازا طائفيا أو فئويا أو حزبيا، بل كان إنجازا وطنيا بكل معنى الكلمة.

ولقد تعزز البعد الوطني للإنجاز الأول بما اتسمت به ممارسات المقاومة بعد تطهير التراب الوطني من دنس المحتلين، ذلك أنها تعالت على الجراح، وترفعت عن تصفية الحسابات مع الذين والوا العدو واقترفوا الجرائم بحق المقاومة. فكانت ممارساتها متميزة كيفيا عما كان قد شهده لبنان خلال سنوات حرب ملوك الطوائف، من قتل على الهوية وتهجير قسري، فاتسعت دائرة مؤيدي المقاومة والمتعاطفين معها، بل المؤمنين بها خيارا استراتيجيا، ليس على صعيد لبنان فقط، بل على الصعيد القومي العربي أيضا. ما أسهم في تعزيز مواقف المقاومة في العراق وفلسطين، وفي بداية انعتاق الفكر والوجدان العربي من مشاعر اليأس والإحباط التي أشاعتها ثقافة الهزيمة والقراءات غير الموضوعية لنكبة 1948 ونكسة 1967.

وبالصمود الأسطوري تجاه عدوان يوليو/ تموز، عام ،2006 وما عناه من كل أساطير التفوق الصهيوني، خاصة أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر، وأسطورة المعرفة غير المحدودة للموساد وبقية أجهزة الاستخبارات الصهيونية، حققت المقاومة إنجازها الثاني المتميّز كيفيا عن سابقه، بل قدمت البرهان العملي على أن "إسرائيل"، وإن غدت دولة إقليمية القدرات، عالمية المكانة والاعتبار، لا تعدو كونها أداة استعمارية موظفة في خدمة صناع قرار قوى الرأسمالية العالمية، بقيادتها الأمريكية. وقد اتضح ذلك مما صدر عن وزيرة الخارجية الأمريكية خلال أيام العدوان الثلاثة والثلاثين، إذ في الأولى منها اعتبرت العدوان على لبنان مخاض ميلاد ما أسمته الشرق الأوسط الجديد.

وحين أدرك صناع القرار الصهيوني، والعسكريون منهم بالذات، عجزهم عن تحقيق أي إنجاز، بل عن حماية جبهتهم الداخلية من تداعيات صواريخ المقاومة، ومالوا إلى وقف العدوان، مارست وزيرة الخارجية الأمريكية كل الضغوط الممكنة لإطالة أمد العدوان. وما كانت لتعطي الضوء الأخضر للمندوب الأمريكي في مجلس الأمن كي لا يُعارضَ قرارَ وقف إطلاق النار، لولا إدراكها ومستشاريها مخاطر انعكاس أداء المقاومة المتميّز على مجمل الوضع الإقليمي.

وكان الدور الوطني للرئيس لحود وللجيش، أكثر وضوحا مما كان عليه سنة ،2000 من حيث مستوى المواقف الإيجابية تجاه حراك قوى المقاومة والحيلولة دون طعنها من الخلف، على الرغم من امتداد خيوط التآمر عليها إلى السلطة وأجهزتها على نحو لم تعرفه مرحلة ما بعد مايو/ أيار 2000. فضلا عن أن دائرة الاصطفاف إلى جانب المقاومة وخيارها غدت أوسع وأعمق وأوضح مما كانت عليه الحال يومذاك. الأمر الذي يؤكد البعد الوطني لإنجاز المقاومة صيف 2006.

ولبنان الذي طالما قيل إن قوته في ضعفه، وجرى تعامل القوى الدولية والإقليمية معه باعتباره الحلقة الأضعف في الصراع العربي- الصهيوني، بحيث أدارت على ترابه الوطني فصولا عديدة من صراعاتها، وحاكت في كواليسه العديد من مؤامراتها على جواره العربي، واتخذت من حرية إعلامه منابر للترويج لمشروعاتها، وتغلغلت أجهزتها في ربوعه دون أدنى مبالاة بأمنه واستقراره وأمان مواطنيه ومشاعرهم الوطنية والقومية. لكن لبنان، بإنجازات مقاومته، وامتلاكها زمام المبادرة الاستراتيجية في صياغة قراره الوطني، بات القطر العربي الأكثر تأثيراً في حاضر ومستقبل الصراع المفروض على الأمة العربية بقرار دولي، مقدما البرهان الواقعي على أن العبرة في القدرة على تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات ليست بوفرة الإمكانات المادية والقدرات البشرية، وإنما بتوافر الإرادة السياسية وبكفاءة إدارة الصراع مع العدو، فضلا عن تقديم المثال المتميّز في التعاطي مع تراكمات نزاعات شركاء المسيرة والمصير، واعتماد الجبهة الواسعة الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا كأداة لتقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات. وهذه أبلغ الدلالات القومية لإنجازات المقاومة اللبنانية.
"الخليج"