سلام ساركوزي... ومفاتيح ليفني!../ عبد اللطيف مهنا

لم يكتم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يوماً هواه الصهيوني. وظل ابن المهاجر المجري الذي خدم في الفرقة الأجنبية سيئة الصيت في الجزائر قبل تحريرها، يفاخر بنصيبه من النسب اليهودي الذي ورثه عن أمه. ومنذ أول يوم حل فيه في الإيليزيه، دفع باتجاه الخلاص من تركة السياسة الديغولية العربية، شبه المتوازنة، أو المعتدلة في انحيازها لإسرائيل، فيما يتعلق بالصراع العربي – الصهيوني، باعتبارها، وفق ما ينقل عنه "مفهوماً لا معنى له"، وعليه، كان لابد من التخلص من موروث "الكي دورسية" في هذا الجانب، هذه التي لم تزد في نظره على كونها "وكراً من أوكار العروبة على ضفاف السين"!

بيد أن الأولوية كانت بالنسبة له هي التنصل من وزر الموقف الشيراكي المعترض بدايةً على غزو العراق، والمسارعة للالتحاق بالركب الأمريكي، ثم العودة بفرنسا إلى الأطلسي... فسائر السياسات المعروفة في هذا الاتجاه التي اتبعتها باريس منذ أن تسنم سدة القرار الفرنسي، والتي لن تكون آخرها متوسطيته الساعية إلى دمج إسرائيل في المنطقة، هذه التي تقترب أيام مؤتمرها في باريس منتصف الشهر الذي على الأبواب... وأخيراً، وبفضل رئاسته التي حل أوانها للاتحاد الأوروبي، مسعى الارتقاء بالشراكة الإستراتيجية الإسرائيلية الأوروبية إلى مستوى العضوية...

ما تقدم يكفينا لكي لا نستغرب كل ما بدرت من مواقف وأقوال عن الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة لفلسطين المحتلة... ما كان منه في الكنيست الإسرائيلي وخلال زيارته عموماً، أو في تلك السويعات القليلة التي عرج فيها على بيت لحم المحتلة ليلتقي فيها برئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود أبو مازن، تجنبا منه لزيارة رام الله، وهذا كتفاد للاضطرار لوضع أكليل زهور على قبر ياسر عرفات، موفداً، كالتفاف على الأمر، وزيرة داخليته للقيام بمثل هذا الواجب غير المرغوب، بينما خص نصب "ياد فاشيم" شخصياً بكل التبجيل المطلوب!

ساركوزي، الذي حرص قبل أشهر فحسب، وهو يستقبل بيرز في باريس، على إشهار إيمانه بأن "ولادة إسرائيل معجزة، أو حدث رئيسي في القرن العشرين"... والذي بدا كحاخام تلمودي عندما تحدث عن إسرائيل باعتبارها عنده "اكتمالاً لوعد تناقلته الأجيال منذ التشتت، بالعودة إلى مكان ولادة الشعب اليهودي"، ليس كثيراً عليه خطابه الصهيوني بامتياز الذي ألقاه في حضرة الكنيست، والذي اكتال فيه مدائح لإسرائيل ربما لم يسمع مثلها الإسرائيليون وحتى لم يأمل عتاة الصهاينة في سماعها من قبل.
الرئيس الفرنسي، وبعيداً عن كيل المديح، والتأكيد على "العلاقة التاريخية" بين فرنسا وإسرائيل، حيث لاحظ أن "قاعدة الصداقة لم تتصدع أبداً" بين الطرفين، أسمع الإسرائيليين في السياسة كل ما أرادوا سماعه، سواء في الكنيست، وما ردده أثناء الزيارة، وأيضاً في بيت لحم...

هذا ليس فيما يتعلق بالراهن فحسب، كموضوع الملف النووي الإيراني الذي تنفخ إسرائيل في فزاعته هذه الأيام، أو عمل فرنسا على "قطع الطريق" أمام كل الذين يدعون لتدمير إسرائيل، ولا جزمه بعدم محاورة فرنسا للإرهابيين، والمقصود هنا حماس، بالإضافة إلى إعلان "التنديد بكل قوة بأسر مواطننا جلعاد شاليت" والمطالبة بفك أسره فورا..ً الخ، وإنما، فيما يتعلق بما هو استراتيجي، وخصوصاً مسألة حل الصراع العربي الصهيوني، وتصفية القضية الفلسطينية، أو تحقيق الرؤية الإسرائيلية لكيفية هذا الحل... كيف؟!

هنا قد يقول قائل، إن هذا يناقض حرارة الترحيب الفلسطيني من جانب رام الله بمواقف ساركوزي التي أعلنها في الكنيست وبيت لحم، من مسألة الاستيطان، والدولة الفلسطينية، وحل مشكلة اللاجئين، والقدس كعاصمة للدولتين... أو ما رغبت هذه السلطة في سماعه، وحداها ذلك لأن تعتبرها مواقف متوازنة، وأن توصف من قبل رئيس السلطة بالشجاعة!

هنا يمكن طرح السؤال التالي: وما الذي قاله ساركوزي في هذا المجال ولم يقله الإسرائيليون أنفسهم من قبل؟!
ما الذي قاله ساركوزي؟
ساركوزي الذي أكد سلفاً على أنه يتفهم مخاوف الإسرائيليين، هذه التي لا حدود لها عادةً وتتوالد عن الحاجة، وعلى أنه لا يريد أن "يعظهم"، مع تكرار التأكيد على صداقته لهم وحرصه على أمنهم...الخ هذه التعويذة الغربية، قال لسامعيه في بيت لحم:
"حينما أتحدث لأصدقائي الإسرائيليين أود أن أقول لهم: هل تعتقدون، أن هذا الجدار سيضمن أمن إسرائيل إلى الأبد، لا يمكن لأحد أن يفكر بهذه الطريقة. إن ما يضمن بقاء إسرائيل وأمنها هو إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية"...

إن أصدقاءه الإسرائيليين أنفسهم يعرفون ذلك قبله، وهم قطعاً لا يفكرون بهذه الطريقة، وحتى إن فكروا فالواقع النضالي الفلسطيني على الأرض أثبت خلاف هذا، لكنهم ما أرادوا الجدار إلا لهدف آخر من بين أهداف لعله أهمها وهو التهويد وقضم الأرض الفلسطينية بذريعة الأمن، لذا فهو جدار تهويدي وليس مجرد عازل كما يشاع. أما كون "الدولة" الفلسطينية وفق الرؤية البوشية، الشارونية المنشأ، كحل إسرائيلي للقضية الفلسطينية أساساً، فلا أحد من أصدقائه يختلف معه عليها، باعتبارها دولة بلا لون أو طعم أو رائحة أو سيادة أو تواصل، وإنما كانتونات تتواصل بالأنفاق وتحت الهيمنة الإسرائيلية، وجل دورها هو حل المشكلة الأمنية والديموغرافية للاحتلال.

ماذا بعد؟
يقول ساركوزي: "لا يمكن إحلال السلام من دون وقف الاستيطان"!
الإسرائيليون الذين يواصلونه يقولون عادة بأنهم أوقفوه، وأن كل ما يفعلونه هو توسيعه، وفي مناطق خارج البحث مثل القدس الكبرى!

وحيث يقول ساركوزي بأن "القدس عاصمة لدولتين، وضمان حرية الوصول للمواقع المقدسة لجميع الأديان"، نذّكر بما عرف بوثيقة "أبو مازن – بيلين" التي تقول بمثل هذا، لكن أي قدس للفلسطينيين، إنها خارج حدود المدينة المقدسة المرسومة إسرائيلياً... ليبني الفلسطينيين قدسهم خارج السور العازل إن أرادوا... ثم هل نسينا ما يعرف ب"وثيقة جنيف"؟!!
إنه ليس هذا فقط، بل كل ما تقدم من مكرمات ساركوزية هو مشروط عند صاحبها بما يلي:

إنه "لا يمكن تحقيق السلام إذا لم يقاوم الفلسطينيون أنفسهم الإرهاب"... وهنا تتجلى وظيفة الدولة الفلسطينية العتيدة عند ساركوزي وبوش وأولمرت وما يتبع، أي قمع مقاومة شعبها للاحتلال، إذ يقول ساركوزي:
"إن أمن إسرائيل لا جدال فيه بالنسبة إلى فرنسا، لكن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ديمقراطية وحديثة للفلسطينيين هو أولوية فرنسية"، وهذه الدولة "الديمقراطية الحديثة" وفق المواصفات الغربية، هي التي تقاوم مقاومة شعبها وتنوب عن الاحتلال في قمعها، وعليه تعهدت 40 دولة تدعى بالمانحة في برلين يمنحها 242 مليون دولار لتعزيز وتطوير شرطتها وقضائها وخصصت الخبراء للإشراف على ذلك... بالمناسبة سلطة رام الله كانت قد طالبت ب184 مليون لهذا الغرض لا أكثر!!! أي دولة مسالمة وفق المنطق الساركوزي، وتظل مفاتيحها بيد تسيبي ليفني، التي قالت لمؤتمري برلين:

"أريد أن أقول أنه ليس كافياً أن تقرر حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية. ونحن نسلم مفاتيحها إلى الفلسطينيين، أو أثناء تسليمنا المفاتيح للفلسطينيين علينا أن نعرف أن جارتنا ليست إرهابية، أو دولة منهارة، بل شريك مسؤول في السلام"!!!
ساركوزي في بيت لحم لم يكن مختلفاً عن ليفني وميركل وكونداليسا رايس في برلين!!!