سورية وكسر العزلة السياسية من البوابة الفرنسية../ أحمد الحيلة*

استطاعت سورية في الأشهر الأخيرة الخروج من عنق الزجاجة الأمريكية ـ إن صح التعبير ـ عبر إحرازها تقدماً على مستوى العلاقات السياسية مع العديد من الدول وخاصة فرنسا التي استقبلت الرئيس السوري بشار الأسد (12/7) بمناسبة الإعلان عن الاتحاد من أجل المتوسط. واللافت في الأمر أن فرنسا (ساركوزي) التي كان ينتظر منها أن تزيد من عزلة دمشق الدولية بالتعاون مع واشنطن، هي ذاتها التي سارعت في الآونة الأخيرة إلى مد البساط الأحمر للقيادة السورية في الإليزيه بترحيب واستقبال دافئ، يعيد الذاكرة إلى العلاقات المتميزة التي كانت تربط باريس بدمشق..، قبل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في شباط من العام 2005

المحطة الفرنسية بالنسبة لدمشق، تعد الفرصة الأبرز للدبلوماسية السورية لاستعادة دورها ونشاطها السياسي إقليمياً ودولياً، خاصة بعدما تبلورت القناعة لدى الأوروبيين، بأن الشراكة مع سورية خير من القطيعة السياسية التي دفعتهم إليها واشنطن، وخير شاهد على ذلك اتفاق الدوحة الذي دفعت إليه سورية، كإطار للمصالحة الوطنية بديلاً عن الحرب الأهلية التي كانت قاب قوسين أو أدنى، بسبب عقم وحمق السياسية الأمريكية في لبنان.

إذن لبنان الذي شكل في السنوات الثلاث الماضية نقطة التدافع والاختلاف الأساسية بين السوريين والفرنسيين بتحريض أمريكي، خاصة بعد صدور القرار الدولي رقم 1559 الداعي لانسحاب القوات السورية من لبنان، هو ذاته لبنان الذي جمع الفرنسيين، والسوريين، واللبنانيين، والقطرين في قصر الإليزيه على مستوى القمة، تجسيداً لروح المصالحة بين خصوم الأمس، وليؤكد الجميع على رغبتهم في تدشين مرحلة جديدة من العلاقات المبنية على حسن الجوار والتعاون، عندما أعرب كل من الرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس اللبناني ميشال سليمان على رغبتهم المتبادلة في فتح سفارات بين البلدين، وسط تشجيع فرنسي، وترحيب أمريكي (أحسبه مرغماً وكاظماً للغيظ). هذا بالإضافة إلى حرص الرئيس ساركوزي على الإعلان في المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالرئيس الأسد: بأن فرنسا حريصة على "بدء علاقات هيكلية واستراتيجية مع سورية، وليس مجرد وعود"، الأمر الذي يمكن أن نشهد انعكاساته الإيجابية على زيارة الرئيس الفرنسي إلى سورية في منتصف أيلول القادم، في اتفاقات تعاون متبادل، واستثمارات فرنسية في سورية وخاصة في مجال الكهرباء والطاقة..، بأفضلية للشركات الفرنسية.

فرنسا لها أهمية استثنائية لسورية، بحكم العلاقات التاريخية التي تربط بين البلدين، وبحكم موقع فرنسا المتميز في الاتحاد الأوروبي، ولقرب توليها رئاسة الاتحاد، أي أن فرنسا تعد بوابة واسعة للسوريين لإعادة رسم علاقاتهم السياسية والاقتصادية مع أوروبا، بما يخدم دمشق في مواجهة السياسية الأمريكية الرامية إلى عزلها عن محيطها العربي والدولي، وبالتالي فإن عودة العلاقات الطبيعية بين باريس ودمشق، على درجة عالية من الأهمية لسورية لاستعادة دورها الإقليمي والدولي.

في المقابل فإن الرئيس الفرنسي ساركوزي الطامح للعب دور متميز في داخل وخارج فرنسا عبر الاتحاد من أجل المتوسط، يدرك أنه من غير الممكن أن يكون له ذلك دون سورية بما تمثله من ثقل في شرق المتوسط، من خلال علاقاتها الجيدة مع العديد من الدول العربية، ناهيك عن حضورها وتأثيرها السياسي في لبنان، وفلسطين، وعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران، في الوقت الذي شرعت فيه سورية بمحادثات سلام مع إسرائيل معربة في ذلك عن رغبتها في السلام كخيار تلتقي فيه مع الأوروبيين وعموم المجتمع الدولي.

كل ذلك دفع فرنسا إلى إعادة تقييم المرحلة خاصة بعد فشل السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جورج بوش الذي كاد أن يجر فرنسا إلى مستنقع الفشل الأمريكي (لبنان مثلاً)، بعد أن كانت تتميز فرنسا بمواقفها عن الموقف الأمريكي في قضايا الشرق الأوسط وخصوصاً القضية الفلسطينية، والحرب على العراق، والأزمة اللبنانية، أي أن الرئيس الفرنسي أراد أن يأخذ مكانة خاصة على ضفتي المتوسط بعد أن أصبحت إدارة الرئيس بوش في حكم المنتهي.

لسورية وفرنسا علاقات قديمة ومصالح مشتركة، كما أن المتوسط بشماله وجنوبه امتداد جغرافي، وسياسي، وثقافي من الصعب الفصل بينهما بحكم الجغرافيا والتاريخ، وبالتالي فكل طرف له مصلحة عند الآخر، وقد تجلت هذه المصلحة في وجود الرئيس السوري في باريس، وستتعاظم هذه المصلحة عند زيارة ساركوزي إلى دمشق منتصف أيلول القادم، بعد أن يكون لبنان قد تعافى من أزمته الداخلية واتجه إلى أجواء المصالحة مع سورية بعيداً عن أجواء المناكفات السياسية التي صبغت المرحلة السابقة.

وإذا كان ذلك، فإن سورية تكون قد أنجزت، وأثبتت قدرتها على إدارة الأزمات، وتجاوزت أخطر المراحل التي كادت أن تعصف بها بعد احتلال العراق بفعل الضغط الأمريكي، مما سيؤهلها لاحقاً لأن تلعب دوراً أكثر حيوية في المنطقة، بحكم موقعها وتأثيرها شرق المتوسط الذي يختزل العديد من الأزمات الإقليمية والدولية ابتداءً بالقضية الفلسطينية..، وانتهاءً بأزمة الملف النووي الإيراني، ومروراً بالعراق المحتل..