القضاء "الكولونيالي"../ فيصل جلول


يعيش إقليم دارفور منذ العام 2003 مأساة فظيعة أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الآلاف من النازحين، فضلاً عن انتشار المجاعة وظواهر الاغتصاب والنهب وقطع الطرقات والثأر وانتهاك الحقوق. والثابت بحسب المراقبين الموضوعيين والمنصفين أن هذه الجرائم تقع في سياق حرب أهلية مفتوحة تشترك في صنعها أطراف موالية للحكومة المركزية في الخرطوم وأخرى مناهضة لها، ويتوزع ضحايا هذه الجرائم على كل قبائل واثنيات الإقليم من العرب والفور والمساليت والزغاوة، وإذا كان حجم المتضررين في الإثنية العربية أقل من غيرهم فلأن غالبية سكان الإقليم المسلمين هم من غير العرب.

والثابت، بحسب المراقبين المحايدين أيضاً، ان إقليم دارفور كان على مر العصور مسرحاً لنزاعات بين القبائل البدوية المتجولة من رعاة القطعان والقبائل المستقرة التي تعيش على الزراعات المروية وكانت هذه النزاعات تتفاقم في مواسم الجفاف وندرة الماء، حيث تضطر القبائل البدوية إلى الاستقرار مع قطعانها في المناطق المروية التي تعاني هي أيضاً من الجفاف وندرة الماء، الأمر الذي يؤدي إلى تصادم من أجل البقاء. بيد أن الصدامات لم تؤد يوماً إلى نزاع أهلي مفتوح كما وقع ويقع منذ العام 2003 ما يعني أن أسباباً أخرى أدت إلى إيقاد الفتنة بين أهالي دارفور، وبالتالي إخراج النزاع من إطاره المحلي المضبوط تمهيداً لطرحه على المسرح الدولي.

البحث عن الأسباب الطارئة على الأزمة الدارفورية يقودنا بداية إلى الخرطوم التي كانت قد ختمت في العام 2002 ملف الجنوب وفي نيتها التفرغ لتثبيت أركان الدولة والإفادة من الموارد التي يمكن أن يحملها الاستقرار، سواء عبر التوفير في موازنة الحرب أو عائدات المواد الأولية، وفي طليعتها النفط. في هذا الوقت كان الطلاق بين شريكي السلطة عمر البشير وحسن الترابي قد تحول إلى قطيعة ثم إلى حرب مفتوحة لم يتورع خلالها علي الحاج نائب حسن الترابي عن الضغط على الحكومة انطلاقاً من مسقط رأسه في إقليم دارفور، ومن اللافت أن نرى اليوم بين قادة التمرد البارزين في الإقليم وجوهاً بارزة من أنصار الترابي بل من المشاركين السابقين في الحكم المركزي في الخرطوم.

بيد أن اللعبة خرجت من يد الطرفين عندما دخلت جهات خارجية على خط النزاع، وبعضها انتقل من دعم التمرد الجنوبي إلى دعم التمرد الدارفوري وذلك على إيقاع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول والهجوم الأمريكي على أفغانستان والعراق، والحديث المفتوح عن تغيير الأنظمة العربية وتغيير خرائط المنطقة. ولعل هذه الأجواء أضفت على الصراع في دارفور نزعة وجودية بين مكوناته، وبالتالي أدت إلى وقوع مجازر بشعة ودمار وتهجير لا سابق لها إلا في المناطق الكردية في شمال العراق غداة حرب الخليج الأولى.

ما من شك أن الحكومة المركزية السودانية المستجيرة بالصين وروسيا الاتحادية والمستهدفة من اللوبي الانجيلي في إدارة بوش لا تملك الوسائل الضرورية لحل النزاع اقتصادياً، وبالتالي التعويض على المتضررين، كما انها لم تعد تملك الوسائل السياسية والعسكرية للسيطرة على الموقف بعد انشقاق الترابي ومجموعته القوية المتمركزة في دارفور فكان أن تحولت إلى طرف في النزاع عبر دعم “الجنجويد” ومجموعات أخرى موالية لها، وكان من الطبيعي ان يخرج النزاع عن السيطرة وأن يصبح الإقليم عرضة لتدخل قوى إقليمية ودولية كانت وما زالت ترغب في قلب حكم البشير وتنصيب نظام لا مركزي فيدرالي متعدد الطوائف والاثنيات على الطريقة العراقية تدين بالبقاء لمن تسبب بوجودها.

في هذا السياق ينبغي النظر إلى مأساة دارفور، وفي هذا السياق يتوجب النظر إلى قرار المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية باستدعاء عمر البشير للرد على تهمة “الإبادة الجماعية” لقبائل الفور والزغاوة والمساليت. ذلك بأن الادعاء يطال حكومة أنهكتها حرب الجنوب وصراعات الأجنحة الداخلية والتدخلات الخارجية وتسعى لحماية نفسها عبر ربط مواردها الأولية بالقطب الصيني، الأمر الذي أثار ويثير حفيظة اللوبيات الغربية النازعة للهيمنة المحكمة على هذه المنطقة وسائر مناطق العالم التي تحتفظ بالطاقة والمواد الاستراتيجية الأخرى.

في ضوء ما تقدم، تبدو “عدالة” المحكمة الجنائية الدولية المرفوعة في وجه عمر البشير حرية بالرثاء، فهي تطال رئيس دولة يمارس وظائفه ولم يوقع على قانون المحكمة، ولا تطال جورج بوش الذي أباد مليون عراقي وشرد أربعة ملايين ودمر بلداً مستقلاً، ولا تطال حكومة “إسرائيل” التي تحاصر أكثر من مليون فلسطيني في غزة وتهددهم بالمحرقة وتسلبهم أرضهم وتمنع عنهم الغذاء والدواء. وثانياً لأن المحكمة لم تستدع الطرف الآخر في الحرب الأهلية في دارفور رغم ارتكابه مجازر موثقة ومعروفة، كأنها تقول ضمناً إن الطرف العربي جدير بالملاحقة بتهمة الابادة، وغير العربي محمي من الملاحقة ويحق له الابادة. وثالثاً لأن المحكمة تسلب السودان حق مقاضاة أبنائه وفق شروطه وتنصب نفسها حكماً بينهم، وبالتالي الطرف الوحيد المؤهل لإدارة شؤونهم. ورابعاً لأنها تثير شهية المجموعات الراغبة في استدراج القضاء الدولي لمصلحتها في العالم العربي والإسلامي، فاليوم في دارفور وغداً في مصر انتصاراً للأقباط، وبعد غد في سوريا انتصاراً للأكراد، والذي يليه في شمال إفريقيا انتصاراً للامازيغ أو للموريتانيين السود، وبعد غد للتحكيم لمصلحة طرف ضد طرف آخر في الحرب الأهلية في الجزائر وفي لبنان، وخامساً لأنها مرشحة لأن تستخدم بطريقة وقائية حيثما يشتهي الأوروبيون.

في دارفور يتحرك اليوم القضاء “الكولونيالي” عارياً بلا مؤامرة ولا من يتآمرون، وهو يقول صراحة لمن يرغب من العرب: لا خيمة على أحد ولا سيادة لأحد من زعماء العرب في بلاد العرب. لا حق لأحد بإدارة شؤونه وفق مصالحه ورؤيته. الصين لم تحم العراق من الحرب “الكولونيالية”، وهي لن تحمي السودان من “القضاء الكولونيالي”.
"الخليج"