وعاء الزهّار!../ عبد اللطيف مهنا

لا جديد في حومة الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني الراهن، باعتباره يظل أساساً خلافاً قائماً بين برنامجين ومشروعين ومسارين نقيضين. بيد أن منحاه قد اتخذ بعُيد "الانتخابات التشريعية" لسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، التي شاركت فيها حماس وفازت، مظهراً سلطوياً أوصلت عقابيله الساحة الفلسطينية إلى ما هي عليه اليوم من حالة انقسامية تنذر بفادح الأخطار التصفوية الماثلة للجميع عياناً، والتي غدت تتهدد قضية العرب المركزية في فلسطين، بانعكاسات داهمة ذات صبغة مصيرية، ليس على وجود شعب بأسره، وإنما تتعدى ذلك إلى مستقبل أمة بكاملها.

إذن، جوهر هذا الخلاف هو موضوعي أساساً، بيد أن تمظهره الراهن هو الطارئ، وهنا فحسب يكمن جديدها، إن كان حقاً هناك من جدة قد نعثر عليها فيه. لقد كان الخلاف في السابق، ومنذ أن كان، هو تجل لصراع ناشب في البيت الواحد ويدور بين رؤيتين: واحدة ترى أن طبيعة العدو المغتصب لفلسطين الاستعمارية الإحلالية، وكذا دوره ووظيفته في سياق المشروع الغربي المعادي للأمة والمنطقة، تجعل من الصراع على فلسطين صراعاً تناحرياً مديداً شاملاً لا سبيل لحله إلا بنفي أحد طرفيه، بمعنى ضرورة انتهاج مبدأ التحرير لكامل الوطن الفلسطيني التاريخي، واعتماد حق المقاومة أو نهج الكفاح المسلح، باعتباره أداة التحرير الرئيسية، إلى جانب سواها مما يتوفر من سبل مساعدة، سبيلاً لتحقيق ذلك. والثانية، وهي رؤية قديمة تعود حتى إلى ما قبل حكاية برنامج النقاط العشر، جنحت إلى منطق التسوية الذي قاد الجانحين، بحسن أو سوء نية، إلى منعرجات الواقعية التفريطية المساومة، فالاعتراف بالعدو الغاصب، وصولاً إلى مسلسل التنازلات الأوسلوية وتداعياتها المعروفة والماثلة، وبالتالي ما اصطبغت به الحالة الفلسطينية في العقود الأخيرة، وحتى يومنا هذا.

وعليه، لا يمكن النظر إلى حال الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني، لا سابقاً، ولا راهناً، ولا مستقبلاً، إلا من خلال ضرورة الأخذ في الاعتبار موضوعية هذا الخلاف المزمن. وبعدها يجوز لنا أن نأتي إلى جديده، أو ما قلنا إنه التمظهر السلطوي الطارئ للخلاف الذي نجم عن نتائج تلك المدعوة بـ"الانتخابات التشريعية" تحت الاحتلال، باعتبارها كانت إفرازاً أوسلوياً، أو عقدت تحت ذات السقف التسووي وفي سياق استحقاقاته.

لقد كنت منذ البداية، وأنا الذي يفرق ما بين المقاوم والمساوم، مهما أخطأ الأول أو أصاب، ومهما برر الثاني تفريطه في الحقوق أو تنازله عنها، أحد الذين رأوا في ولوج حركة حماس منزلق تلك الانتخابات، خطأ استراتيجياً فادحاً سوف يرتد أذاه عليها كحركة مقاومة رئيسة وفاعلة في الساحة الوطنية، وبالتالي على كل أطراف جبهة خيار المقاومة، بل والقضية برمتها. ورأيت في حينه من بين من رأوا أن استدراجها إلى ملعب أوسلو كان في وجه من وجوهه عامل إنقاذ لسلطتها المتداعية التي كانت على شفير الانهيار. وإنه لزام عليها من الآن فصاعداً، أي بعد فوزها في تلك الانتخابات، حل متحارجة الجمع المستحيل بين السلطة والمقاومة. وعليه، لم أكن لأفاجأ، فيما بعد، بسلسلة "التهدئات" التي سرعان ما ظلت تتحول إلى نوع من التزام يأتي من طرف واحد، هو الفلسطيني، يخرقها أو ينهيها العدو وقتما يشاء. كما لم أُصدِّق يوماً أن من استدرج حماس لفخ الانتخابات، سوف يسمح لها بممارسة سلطتها ومقاومتها، أو الجمع بين هذين النقيضين، وعليه، لا غرابة عندي في استمرار تشديد الحصار الرهيب على غزة من قبل كافة أطراف جبهة تصفية القضية الفلسطينية الدولية والإقليمية منها... وصولاً إلى تكرار استثارة حروب العائلات المخزية في غزة.

...هذا الحصار الذي من أهدافه الجلية أمران، أعتقد أن لا عودة عنهما بالنسبة لهذه الأطراف المعادية لحماس والمتآمرة على الشعب الفلسطيني، هما:
وجوب قبول حماس بكل ما سبق وأن قبل به الأوسلويون من اتفاقات عقدوها مع العدو، والتسليم بما قد تسفر عنه طبخة مفاوضات ليفني – قريع، أو ما يشبهها، من ذات النوع الذي يدور في الخفاء مستقبلاً، أي إسقاط حماس المقاومة، أو إسقاط حماس السلطة... هذه السلطة التي انحصرت راهناً في غزة وتحولت إلى عبء عليها وعلى أهلها المحاصرين، ويتم استثمارها ما أمكن لفصلها نهائياً عن الضفة المحتلة، إلى جانب أن حماس تدفع ثمنها وأثمان مواقفها يومياً في الضفة ملاحقةً ومطاردةً واعتقالات وتصفيات.

والخلاصة، إنهما هدفان باقيان ما بقيت حماس في بعضٍ من سلطة بلا سلطة وتحت احتلال ورهن سقف أوسلو التصفوي، ولن يتغيرا، مهما ارتفعت وتيرة التكاذب الحواري الفلسطيني والنداءات الوحدوية العاطفية المستمرة الصادق منها والمضلل أو انخفضت، أو توالي مسلسل محاولات المصالحة بين رام الله وغزه المتنقلة مشاهدة بين العواصم العربية أو توقف.

لا أشك للحظة واحدة في أن حماس سوف لن تقبل بما يريدون إجبارها عليه، وإنها ليست في وارد الخضوع للضغوط الهائلة الممارسة عليها. أقله لأسباب تتعلق بموقعها النضالي وأيدلوجيتها التي ترى في فلسطين وقفاً إسلامياً لا يحق لأحد التنازل عنه، بيد أن خطيئة الوقوع في شرك الانتخابات واحدة من المطبات التي أصبح من الصعب تفادي تداعياتها، ولعلها أصبحت واحدة من عقد الراهن الفلسطيني التي لا حل لها في رأيي، اللهم إلا بأن تترك حماس سلطة أوسلو لأوسلوييها، متخلية عن متحارجة الجمع بينها وبين المقاومة.

قد يقول قائل، إن حلك هذا "فنتازياً"، وهو على الأقل غير وارد عند حماس، وحتى لو ورد فقد أصبح الآن من الصعوبة بمكان، لا سيما وقد وصلت الحال إلى ما هي عليه، وحيث أصبح لدينا على الأرض سلطة في رام الله وأخرى في غزة... والسجال بينهما دائر، وآخر طرائفه غير المسلية، مسألة اقتراب استحقاق ما تدعى "الانتخابات الرئاسية"وحكاية التجديد المزمع لأبي مازن عندما تنتهي ولايته كرئيس لسلطة أوسلو للحكم الذاتي الإداري المحدود بداية العام المقبل، وهو تجديد تنتويه رام الله وتبرره بوجوب إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متلازمة في عام 2010 وفق تفسيرات قانونية تسوقها، وترد عليها حماس بالقول: إن في هذا مخالفة لـ"القانون الأساسي الفلسطيني"، تنزع عن عباس شرعيته ويصبح "مغتصباً للسلطة"، وأن لا "انتخابات شرعية" إلا بالتوافق بين غزة ورام الله.

هذا الكلام، ومن قبل الطرفين، أي حماس وفتح أبو مازن، وما بينهما من فصائل، إلا قليلها المسقط الشرعية كلياً عن أوسلو وإفرازاتها، ينطلق من اعتبار أن هذه الإفرازات، والتي جميعها تقوم تحت الاحتلال وتبقى بالتوافق معه، هي شرعية... وبالتالي حديث يدور بمعزل عن سؤال يطرحه الشعب الفلسطيني: وفي ظل هكذا مفاوضات ومساومات تدور في الخفاء، كل ما يريده العدو منها هو توفير الوقت المطلوب لمخططات التهويد وتعزير حركة بناء المستعمرات، ترى ما الذي سوف يتبقى من الوطن حتى ذلك الوقت الذي قد يحين فيه لحماس وعباس خوض منافستهما الانتخابية السلطوية الموصوفة بالشرعية؟!

إذن، ما الحل؟؟!!
ليس من السهل تصّور حل لخلاف هكذا جوهره، أو هذه هي حال تمظهره السلطوي العبثي الراهن الذي يزيد من تعقيداته... لقد تصادف قبل أيام، وعلى شاشة إحدى الفضائيات، أن استمعت وشاهدت جزءاً يسيراً من محاضرة رمضانية للدكتور محمود الزهّار القائد البارز والفاعل في حركة حماس. مرّ في معرضها ملمحاً إلى بعض المبررات، أو الأسباب، التي دفعت حماس لخوض الانتخابات إياها، وبالتالي إلى وقوعها في ورطة محاولة الجمع بين السلطة والمقاومة... أسباب لطالما سمعنا أن بعضاً منها كان اعتراضياً، وحتى ربما كان بعضه يظل خاضعاً للجدل ويستحق النقاش وحتى التبرير... بيد أن ما استوقفني في كلام الزهار أنه وبعد كل مثل هذه التجربة الانتخابية الأوسلوية المريرة التي خاضتها حماس، هو توصيفه للمؤسسة الأوسلوية، وتحديداً ما يدعى بـ"المجلس التشريعي" بأنه أشبه ما يكون بالوعاء... الوعاء الذي بالإمكان ملؤه سماً أو عسلاً وفق تعبيره حرفياً!!!

أي أنه كان، وهو ليس في مجمل حديثه ما يشير إلى المراجعة، يريد القول إن حماساً شاءت في حينه أن تملأ هذا الوعاء الأوسلوي عسلاً!

جيد، ولنقل إن هذا هو ما فعلت، لكن وماذا عن سموم الآخرين التي سرعان ما ابتلعت عسل الزهّار؟!
أوسلو، لا تنتج إلا قيحاً وصديداً، ودليلنا الماثل الشاخص للعيان، والذي لا يخطئه إلا من شاء إغماض عينيه، هو أن سمومها التي دست ذات كارثة في الجسد الفلسطيني هي مَن أوصلته أساساً إلى ما هو فيه من انقسام!