المفاوضات على هامش الجدل الدموي الفلسطيني../ أحمد جابر*

من المفترض أن تناقش هذه المقالة المأزق الفلسطيني وأثره على مسار التفاوض مع إسرائيل، ولكن الدخول في هذا النقاش يستلزم أولاً تحليل وقائع الحالة الفلسطينية على طرفي الصراع في محاولة لكشف الظروف والأرضية التي ينعكس عنها المأزق التفاوضي الذي يدور الحديث عنه، والذي يبدو أنه وصل إلى طريق مسدود ليس فقط بسبب تعنت العدو، بل بسبب فشل الجانب(ين) الفلسطيني أيضاً!!
حتى الآن، لا يظهر أي ضوء في نهاية نفق التفكك الفلسطيني، بل على العكس من ذلك فمن الواضح أن طرفي الصراع (فتح ـ حماس) ماضيان في تشددهما وانكفائهما على فكرتيهما الخاصتين عن معنى الحوار والوحدة الوطنية.

ولعل التعقيدات تزداد تدريجياً مع اقتراب لحظة الحسم وانتهاء الولاية القانونية للرئيس محمود عباس مما يترك الفلسطينيين بلا أي مرجعية رسمية، وفي عراء قانوني وسياسي إن صح التعبير وإن بقيت مشروعية المقاومة ومشروعية الشعب الذي يرفض الموت.

لكن من الواضح أن مشروعية الشعب المقاوم لم تعد كافية ـ للأسف ـ لوحدها لإعلان الوجود في الساحة السياسية الدولية، فالتمثيل السياسي هو مسألة جوهرية ويبدو أنها لن تكون متحققة في ضوء معطيات عدة.

أبرز هذه المعطيات تدمير منظمة التحرير الفلسطينية التي كان يفترض أن تكون هي لا غيرها، المرجعية الوطنية العامة لعموم الفلسطينيين، ولكن التعاطي مع هذه المنظمة وتفكيكها واستخدامها لأغراض فئوية من جانب أحد الأطراف، ثم عدم الاعتراف بها والمساهمة في القضاء عليها وإفقادها معناها من جانب طرف آخر، وتبعية أو ضعف باقي أطرافها، وتلاقي الرغبة الدولية والعربية للتخلص منها. كل هذا يطرح علامة استفهام حقيقية حول قدرة المنظمة على الإيفاء بالمتطلب الوطني الرئيسي والملح اليوم وهو الإمساك بشرعية التمثيل ووحدانيته للشعب الفلسطيني وقواه السياسية.

أما المعطى الثاني فهو ذو طابع دستوري قانوني يتعلق بغياب حكومة وطنية جامعة تمثل عموم الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما لدينا هو حكومتان تتنازعان الشرعية. ومن الواضح الآن بعد كل هذا الوقت على الانقسام أن جوهر التنازع هو ذو طابع أيديولوجي هبط بالسياسة من ساحة الفكر إلى ساحة حوار الزواريب والمسدسات.

وعلى صعيد الجدل الذي يحاول أن يأخذ شكلاً دستورياً، فإن حماس تدعي أن حكومة (هنية) لا تزال شرعية لأنها تعكس الواقع الانتخابي والبرلماني، أما فتح فتقول إن سلطات حماس غير شرعية لأنها تجاوزت السياسة إلى الانقلاب، وأن الشرعية هي لحكومة (فياض)، ولكن حكومة فياض بدون سند قانوني لجهة القانون الأساسي حيث لم يصادق عليها المجلس التشريعي وما زالت تقوم بعملها بموجب مراسيم رئاسية وسيكون مصيرها مجهولاً بعد انتهاء مدة ولاية الرئيس.

ووفقاً للقانون الفلسطيني الأساسي، في حال قيام الرئيس بإقالة رئيس الوزراء يستمر أعضاء الحكومة في متابعة أعمالهم الوزارية حتى يوافق المجلس التشريعي على حكومة جديدة، وحيث أن المجلس لم يكن قادراً على الاجتماع، فقد ثار نقاش دستوري حول حقوق الرئيس وامتيازاته، وكما يرى الباحث ناثان براون (مؤسسة كارينجي) أنه «بعد سيطرة حماس على غزة انتقلت السياسة الفلسطينية خارج القنوات القانونية والدستورية القليلة التي كانت قد نجت عقب انتخابات المجلس التشريعي».

وفي وقائع الميدان السياسي يبدو من جانب أول، أن مصير غزة معلق بين استقطابين خطيرين الأول: الحصار الذي يعاني منه بالأساس فقراء الناس وعموم الشعب الفلسطيني في غزة، هؤلاء لا يتأثرون فقط بالحصار، بل يعانون أيضاً من التغييرات المستمرة التي تحدثها حماس في نمط حياتهم وواقع غزة بالإجمال، انطلاقاً من مصادرة الحريات الشخصية ومروراً بإغلاق مؤسسات الإعلام والرأي العام وصولاً إلى ما تتعرض له المؤسسة التربوية من مضايقات وغياب القضاء المعترف به، والتدخل السلبي الفج في قطاع الصحة مما يصب في خانة الإضرار الشديد بالمواطن العادي.

الاستقطاب الثاني يتمثل في الوجه الثاني لحصار غزة وعزلتها والذي منح حرية مطلقة لحماس في حكم هذا الإقليم المستحوذ عليه بقوة السلاح، فمساحة 365 كم مربع هي منطقة ممتازة لتجريب نظم جديدة في الحكم والسيطرة، فبعد (الانقلاب) قاطعت السلطة أجهزة الأمن والقضاء والقطاعات الحكومية الأخرى وتحول ما أرادته السلطة عقاباً لحماس إلى عقاب لغزة وشعبها حيث تقدمت حماس وقبلت بترحيب الهدية غير المقصودة وملأت الفراغ بعد أن فقد الغزيون تدريجياً قدرتهم على التأقلم وتحولوا تدريجياً للاعتماد بشكل أكبر على السلطة الجديدة بدون أن ننسى حمام الدم الذي ترافق مع الاستيلاء على السلطة وعملية ملء الفراغ لم تكن انسحاباً وتقدماً فقط بل أخذت صيغة الطرد والتطهير السياسي أيضاً.

فمن جملة التغييرات أعاد الشق الحمساوي من المجلس التشريعي نظام المحاكم العسكرية سيئة الصيت والسمعة وأدخلت نظام التصويت بالوكالة في المجلس التشريعي وأنشأت نظاماً قضائياً موازياً غير قابل للرقابة لاستناده إلى منطق الفتاوى الشرعية وسعت إلى تشكيل حكومة بيروقراطية بهيكلية ضيقة من الموالين بعد تطهير الوزارات والإدارات ممن يعتبرون مناهضين لحكم حماس.

في الضفة، تصرفت السلطة (حكومة فياض) كجهاز انقلاب مواز، وفشلت في تقديم نفسها (لعلها لم تحاول) كمرجعية عامة للشعب الفلسطيني، تمثل هذا السلوك في حملتها ضد حماس في الضفة والموظفين العموميين المشتبه بانتمائهم لحماس وحملة الاعتقالات واسعة، كل هذا تحت شعار الخشية من إقدام حماس على تكرار فعلتها في الضفة، لكن الحقيقة الواضحة أن النقاش الدائر حول إذا ما كانت حماس تسعى أو تستطيع السيطرة على الضفة الغربية (بغض النظر عن التصريحات اللاعقلانية لبعض قادتها) غير ذي صلة، لعدم وجود أي نية لدى إسرائيل للرحيل وترك أجهزة الأمن الفلسطينية تواجه الاختبار من جهة، وبسبب الطبيعة الخاصة بالضفة الأكثر تنوعاً جغرافياً واجتماعياً مما هو عليه الحال في غزة من جهة أخرى.

والأمور في الضفة تحت حكم فياض، ذهبت باتجاه الأسوأ، فعمليات فرض القانون التي (غنوا وطبلوا) لها لم تنف الازدياد الكبير لحالات خرق السلطة التنفيذية للقانون الأساسي، واعتقال المواطنين دون لائحة اتهام، والطلب من الناس الرجوع إلى الأجهزة الأمنية لأمور تتعلق بعملهم وتنقلاتهم، والتعذيب في مراكز الاعتقال، وتدهور شعور المواطنين بالأمان الشخصي، واستمرار اعتماد الموازنة على الدعم الخارجي، وتصاعد الإنفاق على الأمن مقابل الخدمات الاجتماعية، ومنع المظاهرات والمسيرات، كل هذا يضاف إليه الحملات الإعلامية المستمرة مما يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من تصرف هذه الحكومة كطرف في حرب أهلية وليس كمرجعية وطنية.

عموماً هذا الجدل الدموي سيستمر حتى يظهر حل يرضي جميع الأطراف ـ وللأسف ـ كلا الطرفين يظن أن الوقت يعمل لصالحه، ولكن الحقيقة أن الوقت يعمل لمصلحة المستوطنين والإستراتيجية الصهيونية الساعية إلى تقسيم الشعب الفلسطيني، وإسقاط قضية اللاجئين، وتهويد القدس، وفرض حل من طرف واحد لن يكون فيه مكان لدولة فلسطينية ذات اعتبار لا تحت راية حماس ولا تحت راية فتح.

ويبدو أن هذا الواقع مفهوم تماماً لدى بعض أعضاء الطرفين، وحسب شهادة عضو حماس في المجلس التشريعي لم يذكر اسمه (من الخليل): «أنا عارضت أي انقلاب عسكري، أردت أن يجلس قادتنا وقادتهم في غرفة مغلقة وأن يتوصلوا إلى حل فلسطيني من خلال الحوار وليس العنف، كيف يمكننا أن ندعو إلى عقد هدنة مع إسرائيل بدون أن نعقد هدنة مع شعبنا، هل تخدم الحرب الأهلية المصالح الفلسطينية؟ هل تخدم دولة تقودها حماس، هل فتح عدو لحماس أم إسرائيل»!.

هذه التساؤلات أفترض أنها مطروحة في صفوف حركة فتح أيضاً، ومن المفترض أن يدرك الجميع أن ما يحدث هو في مصلحة إسرائيل أساساً، وبالحديث عن آفاق المفاوضات في ظل اللوحة الفلسطينية الآنفة صار واضحاً أن من يتحدث عن مأزق هذه المفاوضات إنما يتحدث عن مأزق فلسطيني بالأساس، في ظل وضع ترتاح فيه إسرائيل تماماً، وضع تلعب فيه على الحبلين إن صح التعبير، مدركة عدم قدرة هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك على المضي في المفاوضات لوحده إلى نهايتها، فبدون وحدة وطنية لن يكون هناك أي تقدم إلا للاستيطان والتهويد وحصار شعبنا وقمعه، من هنا تعمل إسرائيل على مسارين: مسار الهدنة وربما المحادثات على هامش قضية (شاليت)، ومسار التفاوض التوهاني مع عباس، في هذه اللعبة المميتة يراهن الطرفان الفلسطينيان ضد بعضهما وتربح إسرائيل، فمعرفة حماس بعجز السلطة عن إبرام أي اتفاق يشجعها على طرح نفسها كبديل يقدم نموذجاً مختلفاً في غزة، وتراهن سلطة رام الله على عامل الوقت لخنق حماس وإنهاء تجربتها في غزة.

وإسرائيل بدورها تدرك المعادلة وبالتالي تستمر دباباتها ومدرعاتها وجنودها في اقتحام مدن الضفة وتحافظ (رغم كل زعبرات قادتها العسكريين) على الهدنة في غزة، مدركة مصلحتها في ذلك ولعل هذا ما عبر عنه أحسن تعبير، زفي باريل (هآرتس 2 ماآذار 2008): « لايهدد الهدوء في الضفة الغربية غير شيء واحد: الحرب في غزة.. في اللحظة التي تبدأ فيها الحرب في قطاع غزة لن تكون حرباً ضد حماس، بل سوف ينظر إليها على أنها حرب ضد أكثر شرائح الشعب الفلسطيني فقراً وتعرضنا للظلم أي ضد النساء والأطفال، وهي حرب لن تستطيع الضفة أن تتجاهلها»!!

والسؤال الآن: هل يستمر الرهان العبثي من طرفي التناقض الفلسطيني على اللاشيء، هل يدركان ما أدركته إسرائيل بأن أكثر ما يقلقها ويهددها هو توحد الفلسطينيين ضدها، وهل سيتيح الفراغ القادم فرصة فلسطينية للتأمل والعودة إلى صراط الوطنية المستقيم؟ أم أن الأيديولوجية الفجة/الضيقة/الكريهة، ستتقدم من جديد لتسحق السياسة الوطنية العامة تحت (بساطير) المقنعين ليدخل الفلسطينيون شعباً وأحزاباً دوامة لا يعرف منتهاها إلا الله.. نأمل أن ينتصر العقل فهو المخرج الوحيد.