مراجعات فكرية مطلوبة في زمن الأزمة../ د.حسن نافعة*

يشهد النظام العالمي هذه الأيام أزمة ثلاثية الأبعاد: بعد اقتصادي، يتصل بالأسباب المباشرة التي أدت إلى تفجيرها، وبعد سياسي يتصل بهيكل وموازين وعلاقات القوة القائمة في النظام الدولي لحظة انفجار الأزمة، وبعد أيديولوجي يتصل بتأثير الأزمة الراهنة على مستقبل الرأسمالية والفكر الليبرالي.

ففي بعدها الاقتصادي، يحدثنا المتخصصون عن "فقاعة رهن عقاري" تسربت إلى مؤسسات التمويل والائتمان الأميركية منذ سنوات وراحت تتمدد إلى أن انفجرت عام 2007 محدثة عطبا كبيرا، لم يقتصر تأثيره على المؤسسات التمويلية والائتمانية، وإنما تعداه ليشمل بقية القطاعات الاقتصادية في الولايات المتحدة ومنها انتقل إلى بقية أنحاء العالم، وأصبح يهدد النظام الاقتصادي العالمي كله بحالة من الركود العام. نحن إذن أمام أزمة تعد الأخطر منذ الكساد العظيم الذي شهده النظام الرأسمالي في نهاية عشرينات القرن الماضي.

وفي بعدها السياسي، يرى كثيرون أن الأسباب الاقتصادية المباشرة للأزمة لا تستطيع أن تخفي أبعادا سياسية تتجلى مظاهرها في: 1- انفجار الأزمة في موقع القلب من النظام العالمي، أي في دولة كانت وما تزال تصر على الهيمنة المنفردة عليه ولفترة طويلة مقبلة. 2- وفي لحظة تواجه فيها القوة المهيمنة أزمة مصداقية شاملة على الصعيدين السياسي والأخلاقي تعمق الشكوك في أهليتها للقيادة، وفي نهاية حقبة سيطر فيها تيار يميني متطرف ثبت للجميع إفلاس سياساته على مختلف المستويات. 3- تزامن الأزمة مع بداية مرحلة انتقالية تبدو فيها روسيا الاتحادية في وضع يمكنها من التمرد على حالة الهيمنة المنفردة، وتبرز فيها قوى دولية جديدة، مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها، تطمح في لعب أدوار إقليمية ودولية تتناسب مع مكانتها الاقتصادية. نحن إذن أمام أزمة نظام دولي يشهد فجوة بين حقائق وموازين القوة الفعلية وطموحات الفاعلين فيه.

أما في بعدها الفكري أو الأيديولوجي، فيرى كثيرون أن الأزمة الراهنة تفتح باب الجدل من جديد حول تناقضات النظام الرأسمالي ومدى قدرة الليبرالية الجديدة على حل أو تجاوز تناقضات هذا النظام في زمن العولمة. ولأنه سبق لنا تناول البعدين الاقتصادي والسياسي بقدر من التفصيل فسنخصص مقال اليوم لمعالجة الأبعاد الفكرية والأيديولوجية للأزمة بقدر أكبر من التفصيل.

من المعروف أن الثورة الصناعية، التي ظهرت في أوروبا منذ ما يقرب من ثلاثة قرون ومنها انتقلت إلى بقية أنحاء العالم، كانت أحدثت انقلابا جذريا في أنماط ووسائل الإنتاج وفرضت تقسيما جديدا للعمل ترتب عليه تغير ضخم في علاقات الإنتاج وظهور طبقات اجتماعية مختلفة عن تلك التي عرفتها المجتمعات الزراعية والإقطاعية وتبلور نظام اقتصادي واجتماعي جديد عرف باسم النظام "الرأسمالي".

غير أن هذا النظام مر بمراحل تطور متعددة قبل أن يستقر كنظام عالمي تحت تأثير عاملين، الأول: استعمار أوروبي لقارات إفريقيا وآسيا والأميركتين حولها إلى مصادر لمد الصناعات الأوروبية الوليدة بالمواد الأولية التي تحتاجها وإلى أسواق لتصريف منتجاتها، والثاني: شركات عملاقة ظهرت أولا في كنف الاستعمار وتحت حمايته لكنها راحت بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية تقوى وتتحول إلى شركات عملاقة متعددة الجنسيات لتصبح أحد أهم مرتكزات وآليات عولمة النظام الرأسمالي.

غير أن الطريق إلى عالمية الرأسمالية كنظام اقتصادي، وإلى حد ما الليبرالية كنظام سياسي، لم يكن معبدا أو مفروشا بالورود، وإنما كان مليئا بالعقبات وبالمآسي الإنسانية أيضا. فقد ساءت أحوال الطبقة العمالية كثيرا بسبب ما تعرضت له من استغلال بشع من جانب الطبقة البورجوازية الوليدة، ما دفع العديد من المفكرين الإصلاحيين إلى طرح أفكار "اشتراكية"، وصفت في حينها بالمثالية قبل أن يتمكن ماركس من إعادة صياغتها وبلورتها في رؤية "علمية" متماسكة بدت وكأنها "قوانين" حتمية لتطور المجتمعات. ورغم ما تعرضت له الرؤية الماركسية من انتكاسات متكررة على مدى قرنين من الزمان، إلا أنها اتسمت بحيوية مثيرة ومؤثرة مما جعل لهيبها ما يكاد يخبو حتى يتوهج من جديد.

ترتكز رؤية ماركس "الجدلية" للتاريخ الإنساني على فكرة بسيطة مفادها أن التطور المتراكم في وسائل الإنتاج يؤدي بالضرورة إلى تغييرات نوعية في علاقات الإنتاج، أي في شكل الملكية وما تفرزه من أوضاع طبقية وفي شكل ونوعية الأفكار التي تستخدمها الطبقات الحاكمة لتبرير مصالحها والدفاع عنها.

ووفقا لهذه الرؤية قسم ماركس تاريخ البشرية، قبل ظهور النظام الرأسمالي، إلى ثلاث مراحل، تفضي كل منها إلى الأخرى في سلسلة متوالية: المرحلة الشيوعية الأولى، ثم مرحلة العبودية، ثم المرحلة الإقطاعية. ويوضح ماركس كيف أدى ظهور التكنولوجيا والاختراعات الحديثة في المجتمع الإقطاعي إلى تشكل طبقة بورجوازية جديدة تتناقض مصالحها مع مصالح الطبقات السائدة من النبلاء وأمراء الإقطاع واندلاع صراع بينها لا بد أن ينتهي بانتصار الطبقة البورجوازية وتحول المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع "رأسمالي".

ومع تطور ونضوج النظام الرأسمالي تنشأ تناقضات من نوع جديد بين مصالح الطبقة البورجوازية، والتي ستتحول إلى طبقة مهيمنة، وطبقة البروليتاريا، والتي سيزداد عددها ووعيها بمصالحها، ويندلع بينهما صراع سينتهي حتما بانتصار طبقة البروليتاريا وقيام نظام اشتراكي يفترض أن يمهد بدوره الى المرحلة الأخيرة والنهائية من مراحل التطور البشري ألا وهي مرحلة "الشيوعية".

يلفت الانتباه هنا اهتمام ماركس الشديد بتحليل تناقضات المرحلة "الرأسمالية" وإهماله شبه الكامل لتحليل طبيعة وشكل النظام السياسي والاجتماعي الذي تقع على عاتق طبقة البروليتاريا الصناعية مهمة ومسؤولية إقامته خلال المرحلة الاشتراكية التي يفترض أن تمهد لمرحلة "شيوعية" تختفي فيها أشكال التناقضات كافة يساهم فيها كل فرد بقدر ما يستطيع ويحصل منها بقدر ما يحتاج! كما نود أن نلفت الانتباه أيضا إلى نقطة مهمة هنا وهي أن منطق التحليل الماركسي قام على افتراض مفاده أن "ثورة البروليتاريا" ستندلع في أكثر حلقات النظام الرأسمالي تقدما (إنكلترا أو ألمانيا)، وهو ما لم تثبت صحته من الناحية التاريخية.

فقد اندلعت أول ثورة في العالم تستلهم الأفكار الماركسية في إحدى أضعف حلقات النظام الرأسمالي وهي روسيا القيصرية. ولأنه تعين على القائد التاريخي لهذه الثورة، فلاديمير لينين، أن يبرر هذا "الانحراف الإيديولوجي"، فقد كان من الطبيعي أن تظهر أطروحات وتنظيرات جديدة تحت مسمى "الماركسية – اللينينية" تفسر لماذا تعين بناء الاشتراكية في بلد واحد وكيف يمكن لنظام اشتراكي يبنى في بلد يقع على هامش النظام الرأسمالي أن يتحول إلى نظام عالمي ليحل محل نظام آخر لا يمكن إلا أن يكون عالميا بطبيعته.

لم ترق مبررات "بناء الاشتراكية في بلد واحد" لتيار أساسي في الحركة التي أشعلت الثورة البلشفية، قاده تروتسكي، كان يرى أنه لا مستقبل لأي نظام اشتراكي إلا في سياق نظام اشتراكي عالمي يحل محل نظام رأسمالي لا يمكن إلا أن يكون عالميا بطبيعته، كما كان يرى أن بناء الاشتراكية في دولة واحدة تقع على هامش النظام الرأسمالي، وليس في قلبه، من شأنه أن يعوق حركة التطور نحو الاشتراكية ولا يعجل بها.

وأثبت التطور التاريخي أن تروتسكي كان على حق. صحيح أن النموذج السوفياتي للاشتراكية صمد لمدة سبعين سنة، لكنه سقط في النهاية بسبب عجزه عن التحول إلى نظام عالمي قادر على تقديم حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات البشرية المختلفة بأفضل مما يقدمه النظام الرأسمالي وليبراليته الغربية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الكساد الاقتصادي الذي اجتاح دول العالم خلال الفترة 1929-1931، فيما عدا الاتحاد السوفياتي الذي كان الدولة الوحيدة التي تطبق النظام الاشتراكي، نبه قادة الدول الرأسمالية إلى صحة بعض الأطروحات الماركسية حول طبيعة التناقضات الكامنة في بنية النظام الرأسمالي، وراح عدد من مفكريه، على رأسهم الاقتصادي البريطاني الشهير كينز، يعيد النظر في بعض أسس الفكر الليبرالي التقليدي المتمحور حول مقولة آدم سميث «دعه يعمل دعه يمر» مطالبا بتدخل الدولة، ليس فقط في المجال السياسي وحماية الحقوق المدنية للأفراد ولكن أيضا في المجال الاقتصادي لمعالجة الأزمات الدورية الناجمة عن الخلل في أداء آليات السوق وفي المجال الاجتماعي لمعالجة الخلل في توزيع الثروة.

ومع ذلك فإن عتاة الليبراليين وعلى رأسهم فوكوياما، راحوا يبشروننا بأن الليبرالية هي نهاية التاريخ، متناسين حقيقتين على جانب كبير من الأهمية:

الحقيقة الأولى: أن قيام نظام اشتراكي في دولة كبيرة مثل الاتحاد السوفياتي كان شكل تحديا كبيرا ضاعف من قدرة النظام الرأسمالي الليبرالي على الابتكار في المجالات كافة ومكنه من تجديد دمائه على نحو مستمر. وعندما سقط النظام الاشتراكي وانهار الاتحاد السوفياتي بدأ النظام الرأسمالي الليبرالي يترهل وانفتح الطريق أمام أكثر التيارات الليبرالية جمودا وتطرفا، كالمحافظين الأميركيين الجدد، للسيطرة على قلب هذا النظام وقيادته، وهو عامل ساهم في وصوله إلى مأزقه الراهن.

الحقيقة الثانية: أن القوى الرأسمالية الليبرالية لم تتردد في التحالف مع النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي لمواجهة خطر مشترك أكبر مثلته النظم النازية والفاشية والعسكرية التي قامت في ألمانيا وإيطاليا واليابان وتسببت في إشعال الحرب العالمية الثانية. وكان انتصار النظامين معا، من خلال انتصار الحلفاء على المحور، هو الذي ساعد على تأسيس منظمة الأمم المتحدة وفتح الطريق أمام إنهاء الحقبة الاستعمارية.

صحيح أن هذا التحالف لم يستمر طويلا، وأن حربا باردة ما لبثت أن اندلعت بين معسكرين أحدهما رأسمالي تقوده الولايات المتحدة والآخر اشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي، غير أن حقبة الهيمنة الأميركية المنفردة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي فتحت الطريق من جديد أمام عودة الاستعمار المباشر، بزي أميركي هذه المرة، وكبدت الإنسانية خسائر بشرية ومادية أكبر بكثير من الخسائر التي تكبدتها خلال حقبة الحرب الباردة. لذلك لم يكن غريبا أن تندلع في قلبه أزمة تهدد بانهياره من داخله.

قد يحلو لعتاة الليبراليين الجدد تجديد ثقتهم بقدرة النظام الرأسمالي على التعامل بنجاح مع الأزمة الاقتصادية الراهنة مثلما تعامل مع كل أزماته الدورية السابقة، بما في ذلك أزمة الكساد الكبير في نهاية العشرينات من القرن الماضي. غير أن الأزمة الحالية تبدو مختلفة نوعيا من زاويتين:

الأولى: أنها تأتي في مرحلة عولمة شبه شاملة للنظام الاقتصادي العالمي، على الأقل في جانبه المالي والائتماني، وبالتالي فإن الحلول التي يتعين طرحها لتجاوز أزمته الراهنة يجب أن تكون عالمية وأن تمتد لتشمل مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي كله، بما فيها البنك وصندوق النقد الدولي.

الثانية: أنها تأتي في مرحلة لا تتماشى فيها آليات عولمة اقتصادية تجري على قدم وساق مع آليات عولمة سياسية واجتماعية وثقافية تبدو متعثرة تماما. ومعنى ذلك أن الحلول التي يتعين طرحها لتجاوز الأزمة الراهنة يجب أن تأخذ في اعتبارها مصالح الدول الأخرى في نظام سياسي غير معولم ويفتقد لقيادة متفق عليها، وهو أمر ليس بالسهل أو الميسور.

ربما كان يكفي في عام 1929 ظهور رجل مثل كينز لإنقاذ نظام رأسمالي لم يكن وصل بعد إلى مرحلة العالمية وكان يقف في مواجهته، وعلى نقيضه، نظام اقتصادي سياسي اجتماعي آخر يبدو جاهزا ومتلهفا لتسلم الراية. أما اليوم فتحتاج عملية الإنقاذ إلى شيء آخر أكثر بكثير: تغيّر جوهري في آليات عمل النظام الأميركي من داخله، ورؤية لنظام سياسي عالمي جديد
"الحياة"