مكيدة ما قبل الطوفان../ إيلي شلهوب

بشرى سارة لجميع «محبّي الحياة» من المحيط إلى الخليج: اقتنعنا أخيراً بالمبادرة العربية. هلّلوا يا أبناء العُروبَة، كعادتكم، واطمئنوا يا حكام «الاعتدال» على عروشكم. سنعيد الأرض التي يطالب بها البعض، مع تعديلات طفيفة.

لن نختلف على القدس ولا على اللاجئين. المهم أننا سنجلس إلى طاولة واحدة، نتبادل الزيارات وبطاقات المعايدة. سنعيش معاً في سلام ووئام بعيداً عن الخطر... الفارسي. كلمات أمكن تلمّسها بين المفردات التي استخدمها شمعون بيريز في شرم الشيخ وهو يعلن على الملأ المكيدة الاستراتيجية (المرادف العبري للخيار الاستراتيجي)، التي تستهدف تل أبيب من خلالها الخروج من حال انعدام الخيارات وقلة الحيلة التي تعانيها في الوقت الحاضر.

تبيّن لصنّاع القرار في إسرائيل، كما بات واضحاً، أن تجزئة المسارات ما عادت مربحة لها. لمسوا أن أباطرة النفط وحرس الأهرام باتوا أكثر تعاطفاً معها وأقلّ حياءً منذ «مغامرة» حزب الله. اقتنعوا بوجوب المبادرة إلى احتواء متغيّرات استراتيجية تهدّد وجود الدولة العبرية نفسها. أدركوا عدم جدوى المراهنة على الحليف الأميركي الذي يعاني حالاً من التقهقر، وخاصة مع ترجيح فوز باراك أوباما ونزعته التفاوضية.

قلقهم الأساس ينبع من محور إيران ـ سوريا ـ حزب الله ـ «حماس»، الذي عجزوا حتى الآن عن فكّ ترابط حلقاته، أو اكتشاف ترياق يقيهم شرّ صواريخه. العقدة المركزية بالنسبة إليهم هي دمشق، التي يريدون الآن استخدام العرب رافعة للضغط عليها، عبر خلق دينامية تفاوضية جماعية تؤدي دور الجهاز الطارد للحرب. دينامية يسعون إلى تأمين استمراريتها باتفاق «عدم اعتداء» مع لبنان وتمديد لامتناهي للتهدئة في غزة. الغاية الجوهرية منها ربط العَرَبة السورية بالأحصنة العربية «الصديقة»، لعلّها تنقلها إلى ساحات التسوية، أو على الأقل تأخذها بعيداً عن إيران.

وهي تستهدف أيضا تعميق الشرخ العربي الفارسي بما يوفّر عزل «نظام الملالي» بانتظار ما سيؤول إليه مصيره.
إنها مكيدة الفرصة الأخيرة لإسرائيل لإعادة ترتيب وضعها والمنطقة بما يحصّن كينونتها، لا يوجد بعدها إلا... الطوفان!
"الأخبار"