أسود في البيت الابيض؟! \ زاهر الياس


قبل خمسة أشهر كان الجواب على سؤال "من سيكون رئيس الولايات المتحدة؟" يبدو بسيطاٌ وواضحاٌ, فمن يعرف سياسات الولايات المتحدة يجيب أن أمريكا لن تختار أسود أو إمرأه لرئاسة البيت الابيض, يومها كان إحتدام المنافسة لرئاسة المرشح الديموقراطي في أوجه, أو بجواب أبسط, المرشح الجمهوري "جون ماكين" هو الرئيس القادم.

منذ إستقلال الولايات المتحدة عام 1776 ومنذ إنتخاب الرئيس الأول جورج واشنطن عام 1789, أنتُخب43 رئيساً للولايات المتحدة من أصل أبيض "Anglo Saxon", رئيساً وليس رئيسة (وليسمح لي أساطين اللغة على الأستعمال الخاطئ). ألعالمون في نظام الولايات المتحدة كانوا يؤكدون أن البيت الأبيض لن يسكنه ألا أنجلو ساكسي. وعلى هذا الأساس فالأنتخابات لاختيار المرشح الديموقراطي, وبحكم أفرازها مرشحين مختلفين عن سابق الرؤساء, بالأنتماء العرقي أو الجنسي ما هو ألا زينة أو أداء واجب.

ألا أن أحتدام هذه الأنتخابات بات من أهم عوامل نجاح المرشح الديموقراطي "باراك أوباما", أستمرار المعركة حتى اخر الولايات أعطى المرشح الديموقراطي أكثر ما يمكن من "وقت تلفزيون" ثمين هو الأهم في إي أنتخابات, مما جعل الناخب الأمريكي يألف هذا المرشح ويعتاد على وجوده على شاشة التلفزيون وداخل البيت. بل وأكثر من ذلك, "أضطر" الناخب في لا وعيه أن يختار ما بين باراك اوباما وهيليري كلينتون. وأذا كان هذا الناخب من ذوي الأصوات العائمة فأنه بذلك قد أتجه أصلاً خطوة نحو مرشح ديموقراطي.

أن إحدى أدوات مستشاري الأنتخابات هو استطلاعات الرأي العام. الأستطلاعات ما قبل هذه الأنتخابات أشارت الى أن المواطن الأمريكي غير راضٍ عن وضعه الأقتصادي الشخصي ولا عن الوضع الأقتصادي العام في الولايات المتحدة. عدم الرضى هذا كان أكبر من أستيائه من السياسة الخارجية للولايات المتحدة, أذ أن مؤشر الرضى أشار ألى نفاذ صبرٍ من الوضع الحالي في العراق وأفغانستان.

لقد بلور أستراتيجيو "أوباما" عدم الرضى من الوضع الاقتصادي والأستياء من السياسة الخارجية للرئيس الجمهوري "جورج بوش" ألى محرك دعايتهم الأنتخابية تحت شعار "نحن نريد التغيير", تغيير الوضع الأقتصادي وتغيير السياسة الحالية وتغيير الجمهوريين وتغيير هيمنة المحافظين.

أي أن هذه الأستراتيجية وظفت جميع المواقف المذكورة في شعار واحد يخدم "باراك أوباما" ويضع عائقاً أمام "ماكين" من توجيه الالتفات الاعلامي والعام ألى مواضيع قد يكون لماكين تقدم فيها على "أوباما", أضف ألى ذلك الرياده في تحديد الوتيرة وتحديد نبض الأنتخابات. هذا, جعل حملة "باراك أوباما" على الأقل من الناحية المهنية حملة مهنية فائزة.

من ناحية أخرى فقد أدى الوضع الأقتصادي المتردي في الولايات المتحدة والمتخبط في العالم في شتى القطاعات الأقتصادية ألى حالة من التفتيش من قبل الناخب الأمريكي على حلول للأزمة.
وأذا كان أختياره التغيير فأنه قد وضع في هذا الأختيار على المحك شبح الأنتماء العرقي لمرشح شعاره التغيير مقابل رغبة الأمريكي ألى وضع أقتصادي أكثر راحة . وفي بلد شعاره الديموقراطية أصبح أنتماء "أوباما" العرقي المنحدر من أصول أفريقية, في هذه الحالة, أقل تأثيراً عند مواجهة جيب المواطن أو على وجه التحديد عند تأثيره على حق المسكن وأن لم يكن هذا الحق مشرعاً.
أستطلاعات الرأي العام فيما يخص أنتخاب الرئيس الأمريكي تشير ألى أن الأختيار بين أنتخاب العرق وبين أنتخاب أمل التغيير ألى حالةٍ أحسن بات في مصلحة أمل التغيير.

نظام الأنتخابات الأمريكي والذي تكون فيه الانتخابات تجسيدا لفلسفة هذا النظام يعتمد على مصدر مالي مهم وهو التبرعات الخاصة. هذا الأعتماد هو تجسيدٌ خاطئ من وجهه نظر كل من هو ليس امريكياً أو يحمل في أمعائه "معالج" (بروسسور في لغة الحاسوب) للنزعات الاشتراكيه. مع العلم أن في بلدان عدة يعتبر التبرع الى مرشح رئاسي جناية عقوبتها السجن الفعلي. أضف ألى ذلك أختلافاً جوهرياً ومميزاً في أدارة المصالح والصراعات اليومية عن طريق ما يسمى مجموعات التأثير أو "اللوبي" والتي يكون في مركزها عادة مسائل تتضمن مبالغ هائلة من الدولارات.

لقد تميز اليهود في امريكا على أنهم أسخى المتبرعين, وكأن القضية هي موضوع سخاءٍ. في هذه المعركة الأنتخابية فقد زاد سخاؤهم وقد وصلت تبرعات اليهود لحملة "باراك أوباما" ألى نصف ما جمع من تبرعات لحملته الأنتخابية, مع العلم أن اليهود يشكلون أقل من 4% من نسبة المواطنين في الولايات المتحدة. ويعتقد القارئ أن الحزب الجمهوري قد حرم من هذا السخاء ألا أن اليهود, وبسياسة موجهة, يدعمون الحزب الجمهوري أيضاً, أذ وصل حجم التبرعات لحملة "ماكين" أكثر من ربع التبرعات. أن التبرعات للحزب الديموقراطي ما هي إلا تنفيذاً لفكر يقول أن أمريكا هي دولة متعددة الأعراق وجنسية واحدة أمريكية. أما التبرع الى الحزب الجمهوري ما هو ألا سياسة قد تكون غير موجهة في بعض الأحيان ألا أنها تحسب خطواتها برؤية مستقبلية حكيمة.

هذه الظروف الحالية قد تؤدي في نهاية المطاف ألى وصول رجل من أصول أفريقية, أسود, الى البيت الأبيض لأنه كان وبالأساس الرجل المناسب في الوقت المناسب.




.