أوباما أم غيره..ليس هذا هو الأهم عربيا/ ناصر السهلي

حين ترشح باراك أوباما كتبت متسائلا عما إذا كانت ظاهرة أوباما ستمر في التاريخ الأميركي كما مرت الكثير من الظواهر السياسية التي أمل العالم بأنها قد تغير شيئا على صعيد علاقة المجتمع الاميركي بنفسه وبمحيطه حول العالم.. لقد ثبت أوباما أكثر مما ثبت القس جيسي جاكسون.. لكن التحديات التي واجعت أوباما لم تنتهي بما تم الكشف عنه من مخطط تصفيته على يد الجماعات النازية والميليشيات اليمينية المتطرفة التي تتكاثر في المجتمع الأميركي أكثر مما يتصورها البعض..

قضية أوباما شغلت العالم بأجمعه نتيجة واقع عالمي مأزوم ساهمت في الجزئية الأكبر منه السياسة الخرقاء لليمين الأميركي المحافظ، والشعار البراق الذي جذب الكثيرين يتحدث عن "التغيير".. والعالم العربي الذي اكتوى بسياسة المحافظين الجدد يُعلق الكثير من الآمال على فوز باراك أوباما بعد اقتراع الناخبين يوم الثلاثاء..
الرومانسية السياسية، وتعلق البعض بالوهم الأخلاقي للسياسة، دفع بعضنا إلى الدخول في سجال بيني عن المفاضلة بين أوباما وماكين.. والحقيقة المرة أن أحدا، باستثناءات أكاديمية، لم يكلف نفسه عناء الحديث عن المرشحين باعتبارهما يتبعان مؤسستان "جمهورية" و"ديمقراطية" وإن كانت التسمية الشائعة تذهب نحو إطلاق صفة الحزبين على هاتين المؤسستين.. هذا عدا عن جماعات الضغط واللوبيات التي يبدو نصيبها الأكثر ترجيحا لمن يخلف بوش في البيت الأبيض..

السؤال المنطقي يتعلق بالعالم العربي، الذي كما العادة، يقف متفرجا في الظاهر وفي الباطن يمارس شعوذة سياسية تأمل بما يقاس على مزاجية الحاكم العربي الذي لم يتعلم بعد بأنه سواءا جاء أوباما أم ماكين فإن الأمر الأكثر أهمية هو ما ستحمله السياسة الأميركية من تغيرات جوهرية أو سطحية بالنسبة للعلاقة معهم ومع قضاياهم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية احتلال العراق..

ليس خفيا، وبالتجربة الملموسة، أن المراهنة الرسمية العربية تقيس سياستها مع الاخرعلى أساس الكيفية التي يتصرف من خلالها النظام الرسمي العربي في صياغة القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في بلداننا.. إنها حالة مأساوية مستمرة منذ تكونت الدولة العربية الحديثة التي يسيرها الحاكم وفق رؤية أبوية ترى في الشعب مجرد توابع للأملاك بعيدا عن مشاركة الشعب إلا فيما يراه هذا النظام ضرورة لارسال رسائل فاشلة عن حب وتعلق تلك الجماهير بالزعيم الذي لم يخلق الخالق مثيلا له ولحاشيته..

مشكلتنا ليست بمن يأتي للبيت الأبيض بقدر ماهي مشكلة فهم علاقتنا بالاخر والتي لا يجب دائما أن تكون تكرار لرتابة التعويل على شخص لا يشبه الزعيم العربي، لا من حيث صناعة القرار ولا من حيث الاستفراد بمصير الملايين، وقد تكون عصابة المحافظين الجدد أفلحت نوعا ما في التضليل بيد أنها تدفع ثمنا كارثيا تنبأ البعض بمقدماته التي تدفعهم لاختيار نهج اوباما، بل إن خيال السياسة العربية الرسمية يُدخلها في سبات عميق عام قبل الانتخابات الاميركية بذريعة "إنتظار النتائج"، وكأن لهم دور في تحديد تلك النتائج!
على كل الاحوال ليس من الضروري الان التذكير برغبات السياسة العربية المتجاذبة بينيا فيمن تفضل وتتمنى..الأهم في كل الحدث، هل أعد العرب أية خطة للتعامل مع نتائج ما يجري في الساحة الاميركية؟ وهل استوعب العرب أن المصالح لا تحمى ولا تُتابع من خلال ما اعتاد عليه النظام العربي في علاقته الداخلية والبينية بين الانظمة التي تذهب حد قطع العلاقات الديبلوماسية مع دولة عربية اخرى بفعل برنامج تلفزيوني أو مقال صحفي بينما تنشغل "اسرائيل" في تفعيل لوبياتها حفاظا على مصالحها وتفوقها واستمرار احتلالها بدون مسائلة.. وهل استوعب العرب بأن الذي يحكم أميركا ليس لا أوباما ولا ماكين، وإن كان للشخصية الرئاسية ومحيطها تأثيرات معينة، بل مؤسسات وجماعات الضغط وقرارات تتخذ على أساس المصلحة العليا للولايات المتحدة بعيدا عن الكيفية التي يفكر بها من يستقبل بوش بحفاوة لا تسري على العربي الاخر وفق مفهوم "الشهامة" بينما قاعدة اندرو الاميركية شاهدة على طريقة استقبال هؤلاء الزوار العرب ملوكا ورؤساء إلى أميركا.. فلا يصطف لا طلاب المدارس ولا الجامعات ولا العمال على جانبي الطريق كما يفعل النظام العربي معتقدا بأنه إذا قبل رايس فقد ضمن الخارجية الاميركية.. وبأنه إذا لوح بالسيف مع بوش ولوحت الفتيات بشعرهن الطويل صار بوش في "الجيبة".. نأمل أن يفهم البعض العربي بأن التعويل على هذا أو ذاك من الرؤوساء الاميركيين والاوربيين لا يمكن أن يثمر عن شيئ إلا هذه الدورة من الرتابة وتحديد المواقيت بناءا على من سيأتي بدل اعتماد سياسة قائمة على استخدام أوراق العامل الذاتي.. والتي لا يؤمل منها كثيرا أيضا في ظل ما نشهده من علاقات منقطعة النظير في استجلاب تاريخي لداحس والغبراء في العدائية التي يُظهرها النظام العربي لأخيه العربي.. ولا حتى في ظل تغييب المواطن العربي تماما عن صناعة القرار..
لباراك أوباما أو جون ماكين أن يكونا ما يرغبان.. لكن أية رغبة عربية يحملها أصحاب القرارت الاعتباطية؟
السؤال سيبقى ، وللأسف الشديد نتيجة الشواهد والمقدمات والنتائج السابقة، سؤالا سمجا مكررا لذاته!

المؤسسة الأميركية الصانعة للقرار أصبحت أكثر إدراكا لعقل وتوجه صاحب القرار العربي.. تماما كما يفعل الصهاينة.. وعود تخديرية.. ثم وعود أخرى.. بانتظار هبوط سقف الشروط والمطالب والدور العربي.. ثم إنتخابات تحبس الأنفاس.. لتعود الدورة من جديد.. وإلا فدعونا نسأل: أين هي رؤية بوش "للسلام"؟ وأين هي المبادرة العربية؟ وأين هم العرب من كل الذي يجري حولهم؟!