قصة حب وحكاية حضارة../ جميل مطر*

كيف أبدعت الصين في العلوم والتكنولوجيا على امتداد 15 قرنًا ولماذا توقفت فجأة؟ لماذا لم يعترف الغرب للصينيين بإبداعاتهم وعبقريتهم في قطاع العلم والتفكير العلمي والتقدم التكنولوجي؟ سؤالان تكفلا بتعذيب جوزيف نيدام أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كامبردج بعد أن وقع في حب اللغة الصينية وثقافة الصين، وفي حب سيدة صينية ألهبت خياله واحتفظت به صديقًا ورفيقًا وحبيبًا وزميل علم لعقود طويلة.

يقول الكاتب سايمون وينشستر في كتابه الذي نشر في الولايات المتحدة تحت عنوان “الرجل الذي أحب الصين: القصة المثيرة لرجل علم غريب الأطوار فك طلاسم المملكة الوسطى” ونشر في بريطانيا تحت عنوان “القنبلة والكتاب والبوصلة”، إن قصة العالم جوزيف نيدام مع الصين بدأت في اليوم الذي وصلت فيه إلى كامبردج الأستاذة “لو” لتعمل معه ومع زوجته في معملهما بالجامعة. كانت “لو” أستاذة للكيمياء الحيوية في جامعة نانجنغ قبل أن تلتحق بجامعة كامبردج للقيام بأبحاث. أحبها نيدام وأحبته، واستمرا على اتصال ولقاءات بعد أن رحلت عن إنجلترا للتدريس بجامعة بيركلي في كاليفورنيا. علمته “لو” اللغة الصينية فأحبها وأحب الثقافة الصينية، وطلب من المجلس البريطاني تعيينه مستشارًا ثقافياً في الصين التي وصل إليها في عام 1942 خلال الحرب مارًا بجبال الهيمالايا متفاديا الأقاليم التي تحتلها اليابان. وخلال الرحلة أقام شهورًا في مناطق بغرب الصين مراقباً حياة الفلاحين وطرق عملهم ومكتشفًا على حد قوله عمق التفكير العلمي وتقدمه في الريف الصيني.

وكان قد تسرب إليه شيء من هذا الظن من قراءاته قبل رحيله من إنجلترا حتى أنه حين قابل “لو” في نيويورك قبل سفره إلى الصين، سألها السؤال الذي حيره سنوات ودفعه في نهاية الأمر إلى السعي من أجل زيارة الصين بحثًا عن إجابة. سألها “أما وقد بلغ التقدم العلمي في الصين هذه الدرجة فلماذا فشل الصينيون في تطويره وفي تحقيق تقدم أكبر في مراحل أخرى من تاريخها”. وبين عام 1943 وعام 1946 زار نيدام 296 معهدًا علمياً وجامعة في الصين وجمع عددًا هائلاً من الكتب تركها علماء الصين خلفهم قبل نزوحهم من المدن خوفًا من وحشية الجيش الياباني الزاحف في حرب اليابان الشهيرة ضد الصين، وهي الحرب التي لم يتمكن الصينيون بعد عقود من نسيانها بل وربما يعملون بكل ما جبلوا عليه من عناد على ألا ينسوها.

وعند وفاته في عام ،1995 كان نيدام قد أصدر 27 مجلدًا، خمسة عشر منها صدرت في الفترة من 1954 إلى ،1988 ثم صدرت مجلدات أخرى قام بإعدادها تلاميذه وحواريوه. تضم الموسوعة أبحاثًا حول أهم الاختراعات التي قدمتها الحضارة الصينية للبشرية، ومنها على سبيل المثال مجسات الزلازل والساعة الميكانيكية والبورسلين وصناعة الحديد، واستخدامات الغاز الطبيعي وسلاسل المضخات، وماكينات الحرث، والغرف المحصنة ضد تسرب المياه والنقود الورقية والمطبعة. وقد نقل عن نيدام قوله إن الصين كانت تقدم اختراعًا كل قرن.

وفجأة، ومع وصول أسرة مينغ إلى الحكم في الصين في القرن الخامس عشر توقفت الصين عن الإبداع وتراجعت مكانة العلم وانحسر عدد العلماء، وزحف التخلف ثم تراكم، وانتشرت الفوضى وتحكم في مصائر الناس بيروقراطيون مستبدون. عاش نيدام خمسين عامًا يحاول أن يفهم لماذا انتقل العلم الصيني إلى أمم آسيوية أخرى، أحيانا إلى الغرب ولم يترك أثرًا له في الصين، ولماذا لا يعترف الغرب للصين بفضلها على العلوم الغربية.

ومازال الغربيون يصرون على سبيل المثال على أن غوتنبرغ كان أول من اخترع الطباعة بينما التاريخ يؤكد أن الطباعة اخترعها الصينيون في القرن السابع الميلادي، ومازالوا يرفضون الاعتراف بأن البوصلة المغناطيسية اختراع صيني منذ عام 1088 وإن كانوا لا ينكرون على الصين فضلها في اختراع البارود والقنبلة والطوربيد.

ويذكرني رفض الغرب الاعتراف للصين بالفضل في اختراع البوصلة بحادثة كنت شاهدًا عليها، إذ كنت أحضر حفلاً لتكريم حسن رجب سفير مصر في الصين وفوجئت بشو اين لاي، وكان في ذلك الحين رئيسًا للحكومة وبصفته هذه مضيفًا للحفل، يدعونا نشرب نخب المبدع المصري حسن رجب الذي قام بتطوير البوصلة الصينية عندما كان يعمل مهندسًا مدنيًا في الإسكندرية وصمم بوصلة عرفت في الصين باسم بوصلة “لاجابو” أي بوصلة رجب. كانت كلمات شو اين لاي شهادة حق وعراقة لم تتوافر لزعيم أو عالم في الغرب قبل أن يأتي جوزيف نيدام ويعترف للصين بفضلها على العلم.

ويبدو أن نيدام اكتشف أن الثورة الصناعية التي نشبت في الغرب تعمدت أن تتجاهل الإنجازات التي حققتها الحضارات الأخرى، وأعتقد أنه لا توجد مبالغة شديدة في هذه الخلاصة حيث إن عددًا من المؤرخين والعلماء العرب توصلوا إلى نتيجة مماثلة بالنسبة لما حدث للإنجازات والاختراعات التي قدمتها الحضارة العربية الإسلامية، وتوصل عدد آخر من المؤرخين الهنود إلى النتيجة ذاتها بالنسبة لإنجازات الحضارة الهندية على مر العصور، وكذلك النتيجة التي توصل إليها الكثيرون من الذين بحثوا في ظاهرة توقف كافة الحضارات غير الغربية عن ممارسة الإبداع وحماسة الإقبال على العلم والوقوع في براثن التخلف الذي بدأ مسيرته الطويلة التي لم تتوقف حتى يومنا هذا.

يرد نيدام في بعض كتاباته على هذه الأسئلة وبخاصة السؤال عن التخلف المفاجئ وأسباب نشأته واستمراره وصموده، فيحدد عناصر يقول إنها أثرت فعليًا في الحضارات الآسيوية بشكل عام وهي، الجغرافيا والأنهار والمياه بشكل عام والعلاقات الاجتماعية والاقتصاد، إلا أنه لم يفصل في هذه العناصر، ولكنه بقي مصرًا على رأيه بأن الغرب تصرف مع الحضارات الأخرى بغطرسة شديدة إلى درجة أن علماءه لم يبذلوا جهدًا كافيًا لدراسة الإنجازات التي حققتها تلك الحضارات وبعضهم اكتفى بالبناء عليها من دون الاعتراف بها.

كتاب سايمون وينشستر إضافة ثمينة إلى تاريخ طويل، وهو تاريخ الحضارة الصينية وحضارات آسيا وعلاقاتها بحضارة الغرب. ولكنه في الوقت نفسه إضافة بالغة الأهمية إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الحب بين رجل وامرأة، وفي هذه الحالة رجل من إنجلترا غريب الأطوار عاشق دائم للنساء، مدخن بشراهة، اشتراكي الميول وامرأة على درجة عالية من الذكاء والخبرة العلمية والذهنية المتوقدة. هذا الحب أدخل إلى قلب جوزيف نيدام حب الصين وحضاراتها، وكان السبب في أن تحظى المكتبة العالمية والفكر الإنساني بموسوعة تحكي قصة حضارة تقدمت على امتداد قرون عديدة بالعلم والتكنولوجيا قبل أن تتوقف فجأة ومن دون مقدمات.
"الخليج"