دعوة لفهم منطلقات انعقاد الملتقى العربي الدولي لحق العودة../ يونس العموري*

يأتي انعقاد الملتقى العربي الدولي لحق العودة في دمشق، (والذي سينعقد بتاريخ 23\24 تشرين الثاني من هذا العام)، في ظل الإجتهادات والتفسيرات التي باتت تشكل وجهة نظر للكثير ممن يعتقدون انهم يعملون في الشأن الفلسطيني العام وحتى العربي والدولي، في اطار البحث عما يسمى الحلول المقبولة لحل مشكلة اللاجئين، وحسم هذه القضية وايجاد مخارج لها تضمن لما يسمى بعملية التسوية السياسية الشرق اوسطية النجاح، على اعتبار أن هذه القضية تشكل المسألة الجوهرية والمركزية في امكانية التوصل لما يسمى بالحل التسووي الفلسطيني الإسرائيلي او العربي الإسرائيلي.

وحيث أن الكثيرين قد باتوا مقتنعين بضرورة التوصل الى ما يسمى بالإنجاز التاريخي التسووي، فإنهم يبحثون دوما عن مخارج لحل قضية اللاجئين، بصرف النظر عن توافقها والإستراتيجية الوطنية والقومية العربية. بمعنى أن من احترف ويحترف مهنة صناعة التسوية السياسية ورسم السيناريوهات لها، يحاول بكل مرة يضع فيها تصورات للحلول المقترحة أن يقفز عن مسألة حق العودة لللاجئين الفلسطينيين، حسبما نصت عليه كافة العهود والمواثيق الدولية.

وبالتالي باتت قضية حق العودة محل تفسيرات واجتهادات بعيدة كل البعد عن حق العودة ذاته، بل إن ما يتم طرحه على طاولة الإجتهادات تلك لا علاقة له بالمطلق بحق العودة، وإنما هي محاولات لتشويه صورة العودة وتطويع القانون والقرارات الصادارة عن مختلف الجهات الدولية والتشريعية، والتي شرعنت حق العودة في أطرها القانونية الدولية وبمفاهيميا السياسية.

واللافت للانتباه أن من يبحث عن هذه الحلول ليس الإسرائيليين أو الجهات المعادية لحق العودة بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هم من يحاولون اليوم شطب الكثير من الحقوق الوطنية الفلسطينية التاريخية تماشيا وانسجاما مع رعاة التوجهات السياسية في المنطقة أو على المستوى الدولي. أي أن الباحثين عن بدائل لحق العودة هم ممن يتربعون اليوم على عرش صناعة القرار الرسمي العربي أو حتى الفلسطيني بشكل أو بآخر ...

من هنا تأتي أهمية انعقاد الملتقى العربي الدولي لحق العودة، ليكون التأكيد وبإسم الأمة برجالها ونسائها ومؤسساتها وجمعياتها وشخصياتها وفعالياتها ومجتهديها وقادتها وكوادرها، على تثبيت حق العودة وأنه لا يمكن التفريط فيه على طريق صناعة التسوية السياسية الشرق أوسطية (إذا ما جاز التعبير). الأمر الذي يعني أن إعلان دمشق والذي سيصدر في ختام أعمال الملتقى سيكون بمثابة الميثاق الذي يؤكد على هذه المسألة غير قابلة للإجتهاد أو للتفسير أو التأويل وبهدف وضع النقاط على الحروف.

ولمن لا يعلم أو من يعلم ويحاول القفز عن الحقائق لابد من إعادة التأكيد على أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفلسطيني الشتات إلى أرضهم ووطنهم حق شرعي وطبيعي أكدته الشرائع السماوية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وأن هذا الحق ينبغي أن يكون محورا أساسيا ومرتكزا للعمل الفلسطيني والعربي من أجل حماية الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه المشروعة وغير القابلة للتصرف. وعلى هذا الأساس تجيء أهمية انعقاد الملتقى ليكون صرخة جماعية من كل أطياف الأمة العربية والإسلامية ومن الكل الإنساني المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية على وجوب تنفيذ حق العودة لملايين اللاجئين.

إن هذا الملتقى والذي بدا البعض بمحاربة انعقاده بحجج وذرائع شتى، وأنه ملتقى مرتمٍ في أحضان الراعي السوري، أو أنه ينعقد لأهداف استثمارية أخرى غير حق العودة، نقول إن الملتقى أولا وبالشكل يعتبر حشدا جماهيرا شعبيا عروبيا دوليا لإسناد حق العودة. فهل من مختلف وهذا الحشد والتحشيد لواحدة من أهم القضايا الفلسطينية بكافة جوانبها ..؟؟ وإن هذا الملتقى والتي شارك بالإعداد له ما يقارب 60 هيئة وتجمع عربي ودولي ليس بأحضان أحد ولن يستثمر لصالح أي من الجهات الرسمية أو غير الرسمية إلا لصالح حق العودة ذاته، ولملايين اللاجئين الذين ينتظرون منذ ستون عاما لإعادتهم إلى ديارهم وقراهم ومدنهم .. فهل هناك من يجاهر بعدائه لحق العودة، وبالتالي يجاهر بعدائه لإنعقاد هكذا ملتقى ..؟؟ ثم إن الجغرافيا لا شك أنها تفرض نفسها لإنعقاد هكذا ملتقى. ولا يعني انعقاد الملتقى على الأراضي السورية ارتماء الملتقى بأحضان النظام السوري، بل لابد من توجيه التحية لسوريا على احتضانها للملتقى على أراضيها مع الأخذ بعين الإعتبار أن سوريا تشكل واحدة من دول الطوق، والتي يتواجد على أراضيها مئات الألوف من اللاجئين ... فهل هناك من يستطيع تزوير هذه الحقيقة..؟؟

والأهم من كل هذا وذاك أنه لابد من إعادة قراءة مفاهيم الملتقى وأسس انعقاده قبل تنصيب العداء له لأسباب باتت معلومة ومعروفة، حيث أن الملتقى ينعقد على أساس المبادئ التاريخية والتي شكلت نبراس فعل وعمل الحركة الوطنية والقومية العربية منذ أن نشأت هذه المسألة وهي المتمثلة بأن "اسرائيل" هي المسؤولة قانونيا وسياسيا واخلاقيا عن نشوء مشكلة اللاجئين وفلسطيني الشتات بكل ما يترتب على ذلك من آثار. وأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفلسطيني الشتات يعد من أهم محاور القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الصهيوني إن لم تكن أهمها على الإطلاق. وتتحمل "إسرائيل" المسؤولية القانونية والسياسية والأخلاقية. وأن حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم بغض النظر عن أوضاعهم القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، يعد حقا مطلقا وذلك للارتباط الوثيق بين الأرض والانسان، فالحق في العودة حق أساسي لا ينبغي بحال اختزاله في إطار جوانبه الانسانية. والتمسك بمبادئ القانون الدولي العام وأحكامه وقرارات الامم المتحدة المتعلقة بحق العودة، وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة رقم 194 لعام 1948 الذي أكد حق الفلسطينيين في العودة على نحو قاطع. وأن حق العودة حق جماعي مكفول بموجب أحكام القانون الدولي العام التي أكدت على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو في الوقت ذاته حق فردي تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وأن حق العودة حق ثابت ومتوارث لا يسقط بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنه أو المساس به بأي شكل من الأشكال. والاستناد الى القرارات الصادرة عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي وحركة عدم الانحياز وغيرها، التي أكدت على حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم. وأن مشاريع توطين اللاجئين والنازحين في الوطن العربي وخارجه هي محاولة "اسرائيلية" استعمارية لإهدار حق العودة وتخليص "اسرائيل" من المسؤولية القانونية والأخلاقية من هذه المشكلة. وأن حق التعويض ليس بديلا عن حق العودة، بل لاحقا على تطبيقه، فالتعويض يهدف إلى إصلاح الضرر وإعادة الشيء إلى أصله وجبر الآثار المادية والمعنوية التي لحقت باللاجئين وفلسطيني الشتات، لكنه لا يعد بأي حال تعويضا عن الأرض التي تجب العودة اليها وفق الشرعية الدولية.

فهل هناك من يدعي أنه مختلف ويختلف وهذه الأسس والمبادئ العامة التي ترتقي لدرجة الفهم الإستراتيجي لحق العودة...؟؟ على اعتبار أن معاداة انعقاد الملتقى لن يتم تفسيره إلا على أساس اختلافه وهذه الأسس، وبالتالي إستراتيجية حق العودة وتوحيد صف الأمة والجهد الأنساني في إطار تظاهرة عربية دولية شعبية جماهيرية لحق العودة ....

إن الفهم الواضح والصريح لحق العودة ومساندة هذا الحق إنما يحتم مساندة الملتقى العربي الدولي لحق العودة وغير ذلك سيعتبر بمثابة مواجهة حق العودة ذاته ومعاداة لهذا الحق ....

وأعتقد أن الجانب الفلسطيني بكافة تشكيلاته مدعو أكثر من غيرة لمساندة أعمال الملتقى هذا دون إقحامه في أتون فعل المزايدات الحزبية والمناكفات التنظيمية، أو استثماره لمصالح فئوية ضيقة، الأمر الذي يعني تشتيت الجهد وشرذمة الأطر التي تعمل في هذا السياق. لذلك اعتقد أن الملتقى سيكون الفرصة التاريخية لإستمرار تكريس الإجماع الوطني الفلسطيني على حق العودة ورفض التوطين والتعويض بديلا عن حق العودة، ودعوة القوى السياسية والاجتماعية لمواصلة دورها في هذا المجال للتصدي لأية حلول اخرى غير حق العودة.

كما أن هذا الملتقى مناسبة عربية لإعادة الإجماع العربي والاسلامي لرفض فكرة توطين اللاجئين خارج أرضهم، والعمل على تنسيق المواقف العربية والاسلامية لصالح حق العودة. وبهذا السياق يأتي أيضا لدعوة كافة الأطراف المعنية لضرورة تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات واحترام حقوقهم الأساسية.