حدود «الأوبامية» ومحاذيرها... فلسطينياً!/ خالد الحروب

تزدحم أجندة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما المحلية والدولية والشرق أوسطية بقضايا تتنافس في أهميتها ومستويات إلحاحها. كلٌ منها يريد احتلال رأس الأجندة. هناك أولاً ومحلياً أزمة الانهيارات المالية والاقتصادية التي تهدد الاقتصاد والوضع الأميركي برمته، وبخاصة زيادة تآكل الطبقة الوسطى، والحاجة إلى إعادة ثقة المواطن الاميركي بالمؤسسة الحاكمة وبأميركا نفسها بعد حقبة طويلة من تردي مكانتها. دولياً هناك العلاقات المعقدة والمتوترة مع روسيا على أكثر من خلفية، خصوصاً بعد حرب جورجيا وتوسيع مظلة الدرع الصاروخي، وكذلك مع الصين حيث الغموض في كيفية احتواء قوتها الصاعدة، اقتصادياً وعسكرياً. وفي الجوار الأميركي اللاتيني هناك الكتلة اليسارية التي تتمحور حول الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز مُقادة ببوصلة العداء لأميركا. وعالمياً هناك تحديات التدهور البيئي وهشاشة اتفاقات التجارة العالمية وعدد آخر من المعاهدات الدولية التي تواجه مآزق عدة يُحال تطورها إلى سياسة التفرد الأميركي خلال حقبة بوش الإبن. في الشرق الأوسط «الكبير» وجواره هناك حربان تخوضهما الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، الفشل في كليهما أبرز من النجاح، وهناك شبح انهيار باكستان برمتها وما قد يقود إليه من مخاطر إقليمية ودولية. يُضاف إلى ذلك «أم المآزق»: الصراع العربي - الإسرائيلي وفشل التسوية. كل ذلك يتفاعل في مناخ دولي وشعبي عالمي أحد سماته الأساسية، في النظرة الى أميركا، هو ارتفاع مستوى كراهية الولايات المتحدة في العالم إلى درجات غير مسبوقة.

في ظل ازدحام هذه القضايا التي يلح كل منها ليتصدر أولويات الرئيس، هل من المنطقي أن يُطالب أوباما بأن تكون قضية فلسطين أولى أولوياته في الشرق الأوسط على الأقل؟ الجواب على ذلك نعم! فهذه القضية، ورغم الملل من تردادها من قبل الساسة الأميركيين، الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء، ستظل القضية المركزية في الشرق الأوسط والمولدة لحواضر ومستقبلات مظلمة وكثيرها مجهول. ليس هذا تقليلاً من أهمية قضية العراق وقضية أفغانستان، بل لإعادة الاعتبار الى قضية فلسطين باعتبارها قضية احتلال عسكري رفضته القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن على مدار عقود، واستنزفت جهود ودماء ومقدرات شعوب ودول، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. الولايات المتحدة شريك ومُساهم في إطالة هذه المأساة ولأنها فقدت منذ زمن طويل موقع «الوسيط النزيه»، فإن عليها مسؤولية كبيرة سياسية وأخلاقية في التصدي لهذه القضية وحلها. ولم تعد هناك حاجة اليوم لإعادة اختراع العجلة والبحث عن مكونات للحل. فما يدور الحديث عنه شرقاً وغرباً صيغة حل الدولتين بحسب قرارات مجلس الأمن وبحسب ما تبنته المبادرة العربية الجماعية. الحاجة اليوم هي إلى إرادة أميركية سياسية حقيقية تضغط على الطرف الأهم في المعادلة والأكثر عناداً: إسرائيل. من دون أن يحدث ذلك فإن حلقة أو حلقات دموية أخرى ولا ضرورة لها سوف تُضاف إلى ما شهدناه في هذه المنطقة.

لكن السياسة الأميركية الشرق أوسطية لأي رئيس جديد، ديموقراطياً كان أم جمهورياً، تخضع لاعتبارات عدة بعضها مرتبط بحسابات الترشح لفترة رئاسية ثانية، وجزء كبير منها مرتبط بضغط اللوبيات اليهودية ونفوذها. مع فوز أوباما، لنا أن نتوقع استمرار اشتغال بعض تلك الاعتبارات، لكن لنا أيضاً ان نفترض تفكيراً جديداً يأخذ بالنظر بعض المكونات المُستجدة التي تجعل تطبيق السياسات والاعتبارات الماضية سبباً في تدهور إضافي ليس على صعيد شرق أوسطي فحسب، بل وأميركي أيضاً. لنتأمل أولاً الاعتبارات التقليدية ومحاذير التفاؤل الزائد التي قد تضع حدوداً مُحبطة لما قد يقوم به أوباما في الشرق الأوسط، وبخاصة إزاء القضية الفلسطينية. في البداية أعلن أن أولويته الشرق أوسطية والآسيوية ستكون أفغانستان وإيقاف الانهيار فيها، واتقاءه في جارتها باكستان، ثم معالجة الوضع في العراق. معنى ذلك أنه سيغرق لفترة طويلة في هذين الملفين، وربما لن يخرج منهما في دورة رئاسته الأولى. ثانياً، ربما كان إعلان الأولويات يرتكز ولو من بعد على التقليد الرئاسي الأميركي الممل والمدمر والذي يؤجل بذل أي جهد جدي على جبهة الصراع العربي - الإسرائيلي إلى الولاية الثانية لأي رئيس أميركي، خشية أن تؤثر مواقفه على الدعم اليهودي له. ربما لن يتبدى لأوباما أي سبب يحول دون أن يفكر بالطريقة نفسها، خصوصاً أن عينه منذ اللحظة الراهنة على فترة رئاسية ثانية. فالفكرة المباشرة التي ستلح عليه هي: لماذا المغامرة ببعثرة رأس المال السياسي الذي جمعه من أجل حل قضية قد لا تُحل وتسبب له خسارات كبيرة. ثالثاً، رأس المال السياسي الكبير الذي يتربع أوباما عليه، إضافة إلى الشعبية المحلية والعالمية، من الطبيعي أن يمنحه ثقة كبيرة، وربما زائدة عن اللزوم، إزاء كيفية ترتيب أولويات سياسته الشرق أوسطية، وذلك أيضاً في ضوء قلة خبرته في الملفات الدولية بشكل عام. بمعنى آخر سيشعر بأن «التفويض» العالمي الذي حصل عليه يمكنه من استثمار وقته وجهده في الملف أو الملفات التي يراها أكثر إلحاحاً، وسيستند على تفهم العالم لما يقوم به بسبب ازدحام أجندته والخراب الكبير الذي أورثه إياه جورج بوش.
لكن هناك ما هو جديد ويمكن لإدارة أوباما استثماره والانفكاك من روتين السياسة الأميركية الرئاسية الجالب للدمار من خلال تأجيل الملف الفلسطيني. مواجهة الملف الفلسطيني وحله قد يضيفان رأس مال إضافياً لأوباما يستثمره في حل الوضع في العراق وأفغانستان ومواجهة إرهاب «القاعدة». والجديد هنا أمران: المساهمة العربية التي يطلبها الغرب للمساعدة في مواجهة الأزمة المالية العالمية، والمبادرة العربية للسلام. لا يمكن لباراك أوباما او غوردن براون أو بقية قادة الاتحاد الأوروبي أن يتوجهوا إلى المنطقة العربية طالبين ضخ رساميل عربية في شرايين الاقتصاد الغربي من دون ان يكون هناك تغير في السياسة الغربية إزاء الملف الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي. والمطالب العربية الجماعية الراهنة الآن إزاء هذا الملف تتبلور حول المبادرة العربية. وليست هناك حاجة لذكاء إضافي للتيقن من أن المزيد من الضغط على الدول العربية لتقديم تسهيلات مالية للغرب من دون تقديم مواقف سياسية مقنعة للشعوب العربية من شأنه أن يقوي حجج الجماعات الراديكالية. بمعنى آخر وحتى لو فشلت الدول العربية المعنية في فرض شروط سياسية مقابل ما يُراد لها أن تقدمه، فإن أي سياسة براغماتية حصيفة يجب أن لا تصل إلى آخر الشوط في مطالبها من دون تبني سياسة غربية شرق أوسطية جديدة. إن الميزان الحالي للعلاقة الغربية العربية مختل بشكل كبير لصالح العواصم الغربية، وأي انحدار إضافي في هذا الميزان سيزيد من حالة التآكل في الشرعيات ويفتح المجال لقوى وأصوات جديدة رافضة للوضع القائم. وللمرء أن يفترض أن وعياً دقيقاً، عند إدارة أوباما المتشكلة، بآلية الضغط لاستنزاف القدرات العربية لن يكون سياسة حكيمة. ولن تكون تلك السياسة ناجحة أو فعالة على المدى الطويل من دون أن تشعر الأنظمة والدول والشعوب بأنها ليست على الهامش الدولي، وتُطالَب بالقيام بدور «الممول» فقط للصعوبات المالية الغربية، بل هي شريك أيضاً تُحترم مصالحه وطلباته.

من المفروض طبعاً أن يكون الموقف العربي صلباً ويفرض هذه المقايضة: المساهمة والشراكة العربية في الاقتصاد العالمي، مقابل رزمة سياسات غربية جديدة إزاء قضية فلسطين. ومن المفروض طبعاً أن يكون الموقف الفلسطيني نفسه موحداً ولا يعاني من التشرذم والانقسام الحالي. لكنّ هذين الأمرين ليسا شرطين أوليين لا تتحسن السياسة الأميركية من دونهما، أو لا يُفترض أن يكون نهج «الأوبامية» مختلفاً حتى لو لم يتحققا. ففي أساس هذا التحليل مصلحة براغماتية لكل الأطراف ولا يقوم على طلب الإحسان أو التخلق بأخلاق فردية في مجال علاقات دولية تقوم على أسس مختلفة. إذا أرادت الولايات المتحدة أن تعالج جذور التطرف فإن عليها أن تنهج سياسة جديدة، وفي قلب هذه السياسة حل قضية فلسطين وتحقيق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. من دون ذلك فإنها ستظل تواجه موجات من التطرف الذي لا ينتهي، وعلى أرضية فقدان الصدقية والنفاق الذي وسم سياستها في المنطقة لعقود طويلة.



• أكاديمي أردني فلسطيني - جامعة كامبردج