لسادة الكلام مرة أخرى../ يونس العموري*

قد يكون الإختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية... وقد يكون التعبير عن وجهة النظر أمرا حيويا وإيجابيا يعبر عن حيوية النظام السياسي التعددي، إلا انه في الحالة الفلسطينية قد اضحى نقمة، وأصبح التعبير عن وجهات النظر فيه إعادة نظر، على اعتبار أن مسرح هذا التعبير قد صار واحة لممارسة أقدح الكلام وهبط بمستوى الخطاب السياسي الذي لابد أن ينطلق من أسس أدبية أخلاقية، ويراعي أبجديات فعل الكلام في إطار الذوق العام واحترام الآخر ورأي الآخر دون اللجوء الى شخصنة الخلاف وتحويل السجال السياسي الى مشاريع كلامية تستعمل فيها أفظع مفردات اللغة في محاولة لتوظيفها في خدمة محاولة شطب الآخر، وللعلم فإن هكذا مشاريع بالنهاية تكون مضادة التأثير والتأثر فيها، تأتي بالنتائج العكسية لما يُراد لها ان تكون.

إن ممارسة الرد بأسلوب الردح والتأويل والتحريض لحد التكفير والتخوين والغمز واللمز من خلال إسقاط نصوص قرآنية وأحاديث نبوية على الحالة الإنقسامية الراهنة في محاولة توظيفها واحتكار تفسيراتها من قبل الأئمة الجدد للتعبير بنهاية المطاف عن الأهواء ومصالح فئوية حزبية ضيقة تصب في خدمة أهداف النيل من تاريخ الشعب، ما هي الا محاولة مكشوفة ومفضوحة لشطب وتزوير الحقائق، وبالتالي إجراء عملية إحلالية لكل من يختلف ووجهة النظر التي صارت تسمى (ربانية)، حيث أنه بكل مرة يعتلي فيها منصة الكلام واحد من هؤلاء يبدأ بدباجة الرد على أساس أنه الوحيد المالك للحقيقة، وتحديد الغث من السمين، وكأنه بأطروحاته إنما يتلو مزامير غير قابلة للمس، وكأنه بذات الوقت يريد إيصال رسائله إلى كل الآخرين متوعدا إياهم بحروب كلامية لا يقوى أحد على صدها. على اعتبار أنه يملك منبر خطبة الجمعة والتكبير والتهليل باسم الله.

إن احتراف فعل الكلام دون مراعاة للذوق العام بالكلام أو بالأسلوب الحضاري للإختلاف، قد صار السمة الغالبة على المشهد الكلامي في فلسطين (وعذرا للتسمية) فهو بالفعل كلام لا يمكن أن يرتقى لفهم ممارسة التعبير عن وجهة النظر. وكأني أمام جماعة فنون الكلام، وجماعة الكلام هم هؤلاء الذين برزوا وتأطروا في أطر جماعية في الأندلس بأواخر أيامها في مواجهة فلاسفة ذاك العصر ومفكريه أمثال ابن رشد، وما كان من أصحاب الكلام إلا ممارسة فعل الضجيج والصخب وتلفيق الأكاذيب وحياكة المؤمرات وتزوير التاريخ وشطب تراث الأمة خدمة لأهداف هم يرونها سليمة وصحيحة.

إن الحالة الفلسطينية بالظرف الراهن تشهد واحدة من جوالات الرد والرد الكلامي المضاد الذي تخطى كل حدود اللباقة واللياقة، ومن الواضح أن هذه الحالة إنما تعبر تعبيرا واضحا وكاشفا عن طبيعة الأحقاد التي باتت عنوان مرحلة الإختلاف السياسي الدموي، هذه الحالة السجالية الكلامية إنما تلوث الطهارة الوطنية أولا، وتشوه الصورة الفلسطينية ثانيا، فليس هكذا تورد الأبل يا قادة فعل الكلام وممارسة الضجيج.

إن سمة خطاب قادة حركة حماس هذه الايام قد أخذ منحى جديدا وخطيرا بالتصعيد حتى أنه بات خارجا عن أصول الخطاب السياسي والتعبير عن وجهة النظر وحتى الرد على الرد. ومن الواضح أن هكذا خطاب يحرق الأخضر واليابس حيث أصبح من يتناوب من قادة حماس على المؤتمرات الصحافية أو ممن يعتلي منبر خطبة الجمعة إنما يحاول استحضار كل بلاغته الكلامية اللغوية في القدح والذم ليس للأشخاص فحسب بل وايضا للتاريخ وللذاكرة، وبالتالي لنضال وكفاح الآخرين في مسار العملية التحررية الفلسطينية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل هكذا ردود وتصريحات سياسية تخدم مسألة الحوار أو ما يسمى بالوحدة الوطنية وانجاز المشروع الوطني الوفاقي الإتفاقي...؟؟ أم أنها مناورة من مناورات تحسين شروط اللعبة السياسية في محاولة من حماس لفرض قوانين مستحدثة على أصول اللعب السياسي..؟؟ أم أن تأجيج الخلافات وتصعيدها يخدم بالأساس حماس وتوجهاتها الإقليمية الدولية الجديدة...؟؟

لا يمكن الإدعاء بأن الطرف الآخر بريء مما قد ينسب له من حماس ولا يمكن الإدعاء بذات الوقت أن سادة العمل الوطني المختلفين مع حماس هم الملائكة على الأرض، إلا أن ذلك لا يعطي لحماس ولا غير حماس الحق بأن ينطقوا ما ينطقوا به فثمة محرمات وخطوط حمراء لا يمكن أن يسمح الشعب الفلسطيني بتجاوزها. وأولى هذه المحرمات هو التطاول على تاريخ ومسيرة حركة فتح والتي شكلت نبراسا ومنذ انطلاقتها منذ حوالي نصف قرن، وأصبحت بقيادتها التاريخية وبأبنائها المخلصين رمزا للوفاء والعطاء للأرض والوطن وللشعب الفلسطيني وأهدافه النضالية، ولم تسلك طريقا دمويا بل تعاملت مع كل القوى بروح وطنية عالية، وبمبادئ واقعية تصونها الشجاعة السياسية التي تجسد عدم الخوف وعدم التردد، وتصونها دماء عشرات الآلاف من الشهداء والأسرى الأبطال وتنطلق من مسيرة مبدئية زاخرة بالوفاء.

وحركة فتح بكل تاريخها بالنهاية ليست ملكا لهذا الشخص أو ذاك، وبالتالي فهي ليست محل تشكيك كلما أراد أحد قادة الكلام أن يمارس كلامه المضاد بحقها.... إن حركة فتح أكبر من أن تطالها هكذا تصريحات تحاول شطبها وطمسها وهي بلا شك تتعرض لأبشع مؤامرة عليها سواء من الطحالب الطفيلية التي علقت بأطرها وممن تسلق على أكتاف شهدائها... أو من هؤلاء الذين من انفكوا يحاولون إحلالها من خلال تخوينها تارة، وتكفير منهجها تارة أخرى حتى يكون لهم ما يمكن أن يصبو إليه بأن يتقاسموا موقعها بخارطة نفوذ القوى على الساحة الفلسطينية....

إن السادة في حركة حماس يحالون اليوم ومن خلال هذه الخطابات أن يفرضوا حضورهم على المستوى السياسي الإعلامي، بعد أن انكشفت مخططاتهم فيما يخص مسألة انجاز المشروع الوطني الإتفاقي الوفاقي، ولا يتصرفون من منطلق المسؤولية الوطنية الجمعية، أو حتى من منطلق القادة الكبار، بل يحاولون تصفية الحسابات وإن كان على حساب تاريخ حركة مثل حركة فتح أو التطاول على رموزها وتراثها، كما أنهم يحاولون فرض قوانين جديدة مستحدثة على الشعب وجماهيره كأن يحاولوا تزييف التاريخ وفرض مناسبات أخرى غير مناسباته الوطنية، واعتقد أن مسألة قمع وإلغاء إحياء ذكرى استشهاد رمز الفعل الوطني الفلسطيني المعاصر ياسر عرفات مسألة لها أكثر من دلالة ومعنى.. على اعتبار أن إلغاء هذه الذكرى من أجندة الأيام الفلسطينية لا يمكن التجاوز عنها ببساطة، بل اعتقد أنها محاولة لشطب التاريخ وتزويره، وبالتالي إحلال أيام ومناسبات أخرى تتماشى وتتوافق وعقيدة حماس الإقصائية ذاتها...

وفي سياق آخر أتساءل وربما يتساءل معي الكثير لحد الصدمة... ما معنى أن يقول أحد هؤلاء القادة أنه سيحاسب ويعاقب الكثير، وأن كان هناك ألف مصالحة...؟؟ ما معنى أن ينصب هذا القادم من دهاليز تاريخ الحقد والإقصاء نفسه محاسبا...؟ متجاوزا كل الأعراف والأصول القانونية. ومن قال إننا لا نريد أن للحساب أن يأخذ مجراه وللعقاب أن يكون سيد الموقف، ولكن على الأساس القانوني لا على أسس المحاكمات الميدانية التي كانت بشوارع غزة وهي الأقرب إلى محاكم التفتيش، ومن قال إن حركة فتح لا تريد إجراء كشفا حسابيا لكل من أساء لها ولتراثها ولتاريخها، ومن حاول ويحاول أن يتطاول على رموزها وشهدائها سواء أكانوا ممن يتربعون على عرشها أو ممن يحاولون التسلق على أكتاف نضالاتها؟ وحتى ممن يسيء كل يوم ألف مرة لها ممن يعتلون منصات القول الفصيح في حضرة التهليل والتكبير....