حضيض السياسة الفلسطينية الرسمية../ أحمد الحيلة*

أصر الرئيس عباس على لقاء رئيس الوزراء الصهيوني المنصرف ايهود اولمرت (17/11)، رافضاً بذلك نصيحة بعض مستشاريه بأن يؤجل اللقاء، نتيجة لاستمرار الاعتداءات الصهيونية على غزة، ونتيجة لإغلاق المعابر الذي يكاد يفضي إلى كارثة إنسانية محققة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وكان لعباس ما أراد، فقد تم اللقاء على وقع القصف والقتل وإغلاق معابر القطاع، وعلى وقع أصوات "البلدوزرات" الصهيونية التي تنهش الأرض لبناء المزيد من المستوطنات في الضفة والقدس..، إصرارٌ يصعب تفسيره إلا بالرغبة في الشراكة ولو مع الشيطان، بهدف تركيع المقاومة والتخلص من صواريخها التي يحرص عباس على وصفها "بالعبثية"، إلى الدرجة التي فاخر فيها بمدح سلطته في رام الله بوصفها ـ عقب لقائه أولمرت ـ بأنها سلطة "تحقق نجاحات كبيرة في بناء سلطة القانون.." عندما "نجحت في خفض فوضى السلاح، والميليشيات.." ، أي مصادرة السلاح الوطني، واعتقال المقاومين حسب خارطة الطريق، وحسب أجندة الجنرال الأمريكي دايتون المشرف على تدريب ودعم الأجهزة الأمنية "الفلسطينية" في رام الله..!

وعندما نتتبع إنجازات اللقاء "الجاد والحيوي" بين أولمرت وعباس، نرى حضيض السياسية الفلسطينية الرسمية: فأولمرت أخذ غطاءً فلسطينياً للاستمرار في حصار غزة، وقتل أبنائها بذريعة الرد على الصواريخ العبثية ـ حسب قاموس عباس ـ ، وهي الصواريخ التي لم تنطلق إلا بعد أن قتل الاحتلال أكثر من عشرة شهداء فلسطينيين في اعتداءين فاضحين دون سابق استفزاز، ودون أي خرق للتهدئة من جانب المقاومة. أما الرئيس عباس فقد خرج بدوره من اللقاء بإنجازات يحسد عليها، والتي كان أولها الاتفاق على مواصلة المفاوضات مع رئيس وزراء إسرائيلي مستقيل، ولا يملك من أمره شيئا..! وآخرها وعداً من اولمرت بإطلاق سراح نحو 250 معتقلاً فلسطينياً من "البراغماتيين" كبادرة حسن نية اتجاه عباس قبل عيد الأضحى، شريطة أن لا يكونوا أعضاءً في حركات إسلامية (حماس والجهاد)، وذلك كما جاء على لسان الناطق باسم أولمرت.

ومن عجائب الأقدار أن الاحتلال اعتقل يوم الاثنين (17/11) وفي جنوب الخليل فقط نحو 32 فلسطينياً، وما أدراك كم سيعتقل إلى حين هلال عيد الأضحى المبارك. إنها سياسة الباب الدوار..، يطلق عشرة، ويعتقل مائة..!

فإلى أين ذاهبة سياسة الرئيس عباس؟ ألا يدرك ساستنا أن اللقاء مع الصهاينة والسكوت على جرائمهم هو شراكة في الجريمة ذاتها؟ أليس رفض اللقاء احتجاجاً على التنكيل بغزة وأهلها هو أضعف الإيمان؟ أم أن اللقاء ضرورة كما قال السيد صائب عريقات للتباحث في شأن "التخفيف" من الحصار..! وما الذي حدث سوى المزيد من التعنت الصهيوني، والتبجح أمام العالم بأنه سمح بإدخال نحو 33 شاحنة لإطعام نحو 1.5مليون فلسطيني..!

إن من يرغب بجسر الخلاف، والسعي للوحدة الوطنية كمتطلب للتحرير، عليه أن يوفر الأرضية الصالحة لها حتى تنبت نباتاً حسناً، وإلا فالمزيد من الانقسام والخصام السياسي في الساحة الفلسطينية، وما يدفعنا إلى قول ذلك تلك السياسة الغريبة التي ينتهجها زعيم الشرعية في رام الله؛ فمن غير المقبول التشدق بالوحدة والحرص عليها في الوقت الذي نمد فيه أيدينا لمصافحة من يوغل في قتل أطفالنا وشبابنا في غزة، ويسعى لبناء المزيد من المستوطنات في الضفة، وذلك في موازاة قيام الأجهزة الأمنية في رام الله باعتقال كل من ينتمي لخط المقاومة سياسياً كان أم عسكرياً، أليست أجهزة رام الله هي من اعتقلت رأفت ناصيف القيادي في حماس والمرشح لعضوية وفد الحوار الذي يفترض أن يلتقي وفد حركة فتح في القاهرة؟ أليست أجهزة رام الله هي من اعتقلت القيادي في حركة حماس عدنان عصفور بعد ساعات من إطلاق سراحه من سجون الاحتلال التي قضى فيها أكثر من عامين؟!

سياسة الرئيس عباس تلك، لن تجد نفعاً لا على المستوى الوطني ولا على المستوى الحزبي، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإننا نعتقد أن الرئيس عباس يعد نعشه السياسي بيديه لأن الشعب الفلسطيني لن يبقى صامتاً على هذا المستوى من الفعل والتفكير السياسي العقيم، فالمسألة أصبحت أكبر من مجرد خلاف سياسي بين حركتي فتح وحماس، إنها سياسة باتت تقترب أكثر فأكثر من الاحتلال لاستهداف المقاومة التي تمثل خيار الأغلبية للفلسطينيين في الداخل والخارج، وعلى القوم الاعتبار بمصير من راهنوا على الاحتلال والأمريكان الذين لم يحصدوا سوى السراب والفشل.