وصفة عربية للانقسام الفلسطيني... فتات لغزة المحاصرة وشرعية لرام الله المفاوضة!../ عبداللطيف مهنا

قد لا يمضي كثير وقت على مرور انعقاد مجلس جامعة الدول العربية، وعلى مستوى وزراء الخارجية، كما هو حال اجتماعه "الطارئ" الأخير بشأن بحث الحالة الفلسطينية الراهنة، إلا ويذهب خبره وأثره أدراج ما سبقه من اجتماعات، أي إلى حيث عالم النسيان، هذا الذي ينتظر عادة مثل هذه المأثرة العربية المزمنة. هنا لا فرق في المستوى، أكان على مستوى المندوبين أو وزراء الخارجية، ووصولاً إلى القمة... وحكاية القمم العربية معروفة، تبدأ بالخلافات فالمهادنات فالبيانات والقرارات ولا تنتهي عادة إلى النتائج المفترضة، أي حكاية لا داعي لنبشها!

سوف تظل إلى حين بعض التوقعات بانتظار مدى حجم الفتات الذي تقرر إرساله إلى غزة المحاصرة كمساعدات "فورية" لتخفيف مسغبة أهلها، أو إرسال من الصدقات ما قد يسهم في دعم ما تبقى لديهم من مناعة قد تطيل أمد قدرتهم أكثر على عدم الموت جوعاً ما أمكن! بيد أنه حتى هذه المكرمة تظل بانتظار ما يسفر عنه تكليف المجلس للأمين العام للجامعة بالتنسيق مع "السلطات المصرية المختصة لتأمين دخول المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية" إلى القطاع المحاصر... للمستعجلين، نلفت النظر أنه حتى هذه اللحظة لم تلح بعد نتائج مثل هذا التنسيق، و إنما سبقها إعلان السلطات المصرية إزماعها فتح معبر رفح و "بصورة مؤقتة" للسماح للحجاج فقط من حاملي التأشيرة التي تتيح لهم أداء "فريضة دينية"...

الاجتماع "الطارئ" لوزراء خارجية العرب تحت مظلة جامعتهم لم يكسر حصاراً يفرضه ما يفترض أنه عدو الأمة على مليون و نصف مليون عربي، لكنه استعاض عن هذا بمساعدات "فورية" تنتظر تنسيقاً لتصل، ووصولها فحسب ما قد يكشف عن حجمها، ولا نقول استمراريتها!

وللإنصاف نقول إنه اتبع هذا، أو ما وصفناه بالمكرمة بأخرى، و هي الموافقة على "استقبال المرضى"، الذين لابد و أنه قد بدأ ومن الآن، السباق بين كثير منهم و الموت بانتظار وصولهم المأمول إلى المستشفيات العربية.

والمعلوم أن هذا الاجتماع الطارئ كان مخصصاً فحسب لمناقشة مسألة "الانقسام" الفلسطيني، أي أن موضوع الحصار الإبادي على غزة لم يكن أصلاً مطروحاً على جدوله، ونمي أنه لولا الإلحاح السوري وموقف سوريا المسبق الداعي لكسره، لما كان نوقش كبند من بنوده لاحقاً وما أسفر عن مكرمتي الفتات و استقبال المرضى!

وإن هذا الاجتماع أيضاً حول الانقسام الفلسطيني أسفر كالعادة عن انقسام عربي حول حكاية الحوار الفلسطيني وسبله المنشودة أو مستلزماته. وحول الإزماع الذي كان على معاقبة حماس وفصائل المقاومة لأنها لم تقبل الوصفة الحوارية التي عرضت عليها.

كان العرب هنا فريقين، فريق مع الوصفة المذكورة، وآخر عبر عنه وزير الخارجية السورية بقوله إن "للحوار الفلسطيني مقدمات، أولاً: أن نقف جميعاً على مسافة واحدة من كل الفصائل، و ثانيها أن نحترم إرادة الفلسطينيين، وألا نكون طرفاً في حوارهم، بل نبارك ما يتوصلون إليه في حوارهم في إطار الثوابت الفلسطينية".

دعوة الوزير لم تلق إجماعاً، بل جلبت فيما بعد ردود أفعال منزعجة، و الدليل ما عكسه البيان الختامي، أي حتى قبل الانتقال من الأقوال إلى الأفعال:

قال البيان، بضرورة "الانتهاء من عملية المصالحة في أسرع وقت ممكن". إذاً لا وقت للكلام عن مستلزمات الحوار التي تطالب حماس و فصائل المقاومة بها، و لا داعي لترف الثوابت الوطنية الفلسطينية، ولا عن صعوبة الجمع بين برنامجين فلسطينيين لا يلتقيان أحدهما مساوم مدعوم دولياً و إقليمياً أو مرضي عنه، والآخر مقاوم مطلوب رأسه من قبل جبهة واسعة تمتد من المحلي إلى الإقليمي إلى الدولي، ناهيك عن استهداف العدو اليومي له.

وكيف تكون هذه المصالحة الفورية المطلوبة؟!
إنها تدور وتحور و تبدأ بما طالب به البيان، و هو وجوب "تأييد الخطوات التي تم التوافق عليها بين الفصائل الفلسطينية برعاية مصرية"!

والمفارقة أنه لو تم هذا التوافق، لما كان هناك من داع لاجتماع طارئ تحمل أصحاب المعالي وزراء خارجية جامعة العرب عناء السفر من أجل عقده. أو، وكما هو معروف، لما كانت قد أحجمت أصلاً، فصائل فلسطينية عن التوجه إلى القاهرة لإقرار تلك الوصفة الحوارية المقدمة إليها.

هنا نقول، أنه أما وقد كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن هذه الوصفة فلا نجد من داع للحديث عنها مرة أخرى، لكنما لا بد من ملاحظة أن الغزيين الذين طال اختبارهم للجوع وبدا وكأنما قدرهم هو تحدي ليس آلة الموت الإسرائيلية وحدها وإنما الموت جوعاً، ليسوا في موقع المنتظر لصدقات تأتيهم من ذوي الرحم وإنما هم في موقع من يشعر بأنه في أمسّ الحاجة لنجدتهم ضد عدو يواجهونه نيابة عن أمتهم. هم في حاجة لكسر حصار جانب منه عربي، أو هو موضوعياً عربي كاملاً... الجامعة العربية بدلاً من كسر هذا الحصار في اجتماعها الطارئ، كانت حصيلة اجتماعها أن كسرت ما من شأن كسره أن يعمق الانقسام الفلسطيني، وبعده الانقسام العربي، ويجعل من حكاية الحوار والمصالحة أحجية لا ندري كم يمضي من الوقت، أو كم سيدفع الفلسطينيون و القضية من أثمان رهيبة، لحلها... عن ماذا نتحدث؟!

إنه حول أمر له ما بعده، إنه عندما أباحت الجامعة لنفسها أن تمنح شرعية فلسطينية لطرف فلسطيني، و بذا ما يعني أنها انحازت عملياً لطرف على حساب آخر. لقد كان هذا في دعوتها لرئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود "للاستمرار في تحمل مسؤولياته كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية إلى حين إجراء الانتخابات المشار إليها". أي أعطت الجامعة نفسها حق التمديد له برغم عدم موافقة فريق فلسطيني هام و مؤثر و فاعل على هذا التمديد.

قد يكون من نافل القول، أنه أساساً لا شرعية تحت احتلال، و يتساوى في هذا من فاز بها انتخاباً أو تمديداً، ويشمل هذا حكومتي غزة و رام الله على السواء... وفي الحالة الفلسطينية أوليس الأصل هو الشرعية النضالية أولاً، وتلك التي يجمع عليها الشعب الفلسطيني ثانياً؟
وعليه، إن عزّت هذه و تلك فهل تجدي شرعية يمنحها من عجزوا حتى عن فتح معبر رفح؟!!

كان الأولى بالعرب هو فك الحصار، أو التخلي عن دورهم فيه، و بحث مسألة واحدة هي: على ماذا انقسم الفلسطينيون، وإذا فعلوا، فإن من شأن ذلك أن يمكنهم من أن يصلوا تلقائياً إلى الإجابة على سؤال آخر هو رديفه وهو: و على ماذا انقسم و ينقسم العرب منذ أن بدأ الصراع وتم اغتصاب فلسطين؟!!!