كسر مؤامرة الصمت!/ د.جمال زحالقة

يكاد الصمت العربي والدولي عما يحدث في قطاع غزة يصل حد المؤامرة، وكأن دول العالم قد اتفقت فيما بينها على تجاهل مقصود لمعاناة الشعب الفلسطيني في القطاع جراء الحصار الهمجي الذي يتعرض له. لا يوجد مثيل في العالم اليوم لما هو حاصل في القطاع، حيث يقبع حوالي مليون ونصف انسان تحت حصار بري وجوي وبحري، بما يشبه السجن، لا بل وفي بعض المجالات اسوأ من السجن.

الوضع في غزة خطير، وخطير ايضاً أن الناس تعودت على الحالة هناك، ولم يعد يثير الرأي العام سوى احداث دراماتيكية، في حين أن الحياة العادية، إذا صح التعبير، هي مأساة مستمرة ليل نهار، يعيشها أهلنا في غزة بتفاصيلها الفظيعة ويتجاهلها العالم تجاهلاً مريباً وحتى أنه يجد المبررات لها، مكرراً كالصدى ما يصدر عن آلة الكذب الإسرائيلية.

ترتكز السياسة الإسرائيلية تجاه غزة إلى جعل الحالة على حافة الكارثة الإنسانية، أي الضغط والحصار والتجويع وتقنين المواد الأساسية بحيث تبقى الأوضاع صعبة إلى اقسى درجة ممكنة دون أن تتدهور الى كارثة تلفت انتباه العالم وقد تثير الغضب العربي الشعبي المكبوت حالياً. يبدو أن هناك تفاهماً حول هذه السياسة بين اسرائيل وبعض الانظمة العربية والولايات المتحدة وأوروبا. هذه السياسة تهدف الى تركيع الشعب الفلسطيني حتى يخضع للإملاءات الإسرائيلية. الغباء الإسرائيلي، كالعادة ينتج العكس، فيأتي الرد بمزيد من الصمود والتحدي ورفض الانسياق وراء المشاريع الإسرائيلية والإمريكية.

إن الإشارة باصابع الاتهام من قبل جهات عربية وفلسطينية ودولية إلى حماس وتحميلها مسؤولية الأوضاع، هي تلقائياً تبرئة لإسرائيل من جرائم الحرب التي ترتكبها يومياً في غزة. وهي بالتأكيد تضليل للرأي العام، لأن الحصار قائم قبل أن تستولي حماس على السلطة، وحصار ياسر عرفات وحتى اغتياله دليل فاضح على أن اسرائيل قررت ضرب كل من يرفض املاءاتها بغض النظر عن انتمائه السياسي.

القضية في غزة جوهرها سياسي، ولكن نتيجتها هي مأساة انسانية مستمرة. مهما تكن المواقف السياسية فإن غض الطرف عن معاناة الناس هو عملياً مشاركة في الجريمة. قد لا نملك القدرة على كسر الحصار حالياً، لكننا بالتأكيد نحن وكل صاحب ضمير حي في العالم، بما فيه العالم العربي، قادرون على الأقل على كسر مؤامرة الصمت من خلال مبادرات خلاقة مثل سفن كسر الحصار، التي انطلقت إلى غزة ووصل بعضها إليها. السفينة التي ستبحر الاسبوع القادم من يافا إلى غزة حاملة الإغاثة الإنسانية لها مدلولها الخاص، والمطلوب هو أن تنطلق مئات السفن من العالم العربي ومن كل ارجاء المعمورة وتتوالى في القدوم إلى شواطئ غزة حاملة رسالة الأمل لغزة ورسالة نهاية السكوت على جريمة الحصار الهمجي.