بيان هزيمة الذات../ يونس العموري

لا بد من الصراخ الآن... ولابد من العويل... ولا بد من محاولة رسم لوحة الواقع الذي نحيا... ولابد من مواجهة الحقيقة بمواجهة الذات... ولابد من أن نعي أن ثمة انكسار بأنفسنا قد حدث... وأن في النفس الكثير من التناقض وثمة ضجيج مشاغب يغزو الوجدان... فما بين قتل الفقراء بحواري غزة وتشويه ابتسامة طفل يحاول أن يعبث بسنين عمره الشقي، وما بين النوم في بحر التنظيرات بشطر الوطن المسلوب (الضفة الغربية) يكمن تمزق الذات والهوية، التي لطالما اعتبرناها واحدة موحدة...

لنا أحلامنا وصراخنا وآمالنا التي كنا نعتقد انها ممزوجة بتلك المعاناة من صلف الاحتلال والة التدمير والقتل... إلا أن المشهد هذه المرة مختلف، ويأتي اختلافه باختلاف وقائع الوطن خلال العدوان على غزة... وكأن مجريات الفعل العدواني على غزة قد تعاملت معه جماهير الضفة الغربية كما تتعامل معه جماهير اي عاصمة عربية أو أوروبية بالمساندة وأعتقد أن هذا ما أذهل الكل... بل إنه قد شكل صدمة لنا بالأساس... فمن غير المعقول أن تتظاهر رام الله بشكل سلمي من خلال مسيرات الشموع وتسير تظاهرات الاطفال وإنجاز أعمال الإغاثة... فهذا غير منوط بجماهير الأرض المحتلة.. ومن غير المعقول أن تكون المهرجانات الخطابية سيدة الموقف هنا...

اعتقد أن ثمة هزيمة قد لحقت بنا هنا... هزيمة صارخة أمام الدم وإزهاق الأرواح... ثمة خجل يتبلور الآن بذواتنا من مواجهة اللحظة... التحدي يتسلل الى ثنايانا.. والسؤال يتبلور ويتضح اكثر تحت المجهر... فما العمل يا سادة القول البليغ في ظل اختطاف جماهيرنا واقناعها بإمكانية رغد العيش تحت جنح التسليم بواقع الأمر والإستسلام لحيثيات معادلة العقلنة والتعقل...

أعلم واعرف أننا نعيش لحظة تاريخية فيها الكثير من مشاهد التناقض، حيث أنجز الانقسام انجازاته وفعل مفاعيله... فقد أصبح للنضال وجهة نظر اخرى، وللكفاح أيضا تعريف مختلف عن ذاك المرتبط بتاريخ المسيرة التحررية... وصرنا مختلفين حتى على تعريف فعل المقاومة وأحقيتها برد العدوان... ولأول مرة صرنا نراقب المشهد وكأننا نعيش بغير فلسطين المحتلة... وكأننا بواحة رام الله المحررة نحيا بكنف الأمن والأمان وتحقيق أهدافنا على الأقل الإنسانية... والكل يعلم ويعرف أن الحد الأدنى من ضرورات الحياة الانسانية غير متوافق او متوافر وتلك المسماه حياة في المدن المحتلة بالضفة الغربية...

هو الصمت من جديد يغزونا وكأن عدواه قد أصابتنا بمقتل وأصبحنا نلوذ بالفرار حتى من انفسنا حينما يغزونا الخجل... ولا مبرر لنا مهما حاولنا التفسير، وبصرف النظر عن القمع أو ما يسمى بالمصلحة الوطنية العليا...

نصرخ من وجع اللحظة وكيف تحولنا إلى أداة مهجنة ومدجنة كما يُراد لنا أن نكون نستقبل أنباء القتل، وربما نشفق على أنفسنا من تلك المشاهد الآتية إلينا عبر الأثير... وهو السؤال الذي يقض مضاجعنا ليل نهار.. هل نحن بالفعل بمستوى الحدث..؟؟ أم هو العجز..؟؟ أم صار لنا تعريفات ومفاهيم مختلفة...؟؟ وهنا لا أستثني أحدا... جماهير وقادة ونخب ثقافية وحتى ممن يمتشقون اليوم بنادق الكفاح بالضفة الغربية... صرخة مدوية تكاد تهز اركان كل فلسطين المحتلة اليوم...

أين نحن من كل هذا..؟؟ أين انتم من كل هذا.. بل دعوني أقول أين حماس الضفة الغربية...؟؟ أين أدبيات اليسار واقتناص اللحظة الجماهيرية وتثوير الفعل وتطويره...؟؟ أين تراكمات التاريخ والبناء عليها...؟؟ أين حركة فتح بكل تراثها مما كان يجري..؟؟ لا يكفي القول إن وقائع الضفة الغربية مختلفة اليوم عن السابق، ولا يكفي القول إن الحصار وتقطيع الأوصال قد حال دون أن نأخذ مواقعنا في ملحمة الدم الأسطورية... فإذا كان ثمة اختلاف فيما مضى حول تفسير فعل الانقسام فقد أصبح الانقسام واضح المعالم اليوم في هذا الوطن...

لأول مرة لا تلتحم الضفة الغربية مع غزة، ولأول مرة يصبح الميدان متشرذما ومشتتا وغير متوافق... لأول معركة تكون المواجهة هكذا... وأعذر لنفسي وسأسمح لذاتي بأن أواجه الذات بالحقيقة المرة.. فثمة هزيمة هنا تتضح معالمها أيها السادة الكرام بكل الأماكن وعلى مختلف المستويات... هزيمة تكريس انقسامنا وثقافة المساندة كانت فارغة أيضا من مضامينها ومن معانيها ومن الحد الأدنى من الفعل وردة الفعل...

يا سادتي في كل مكان وفي شوارع وطن الأمان بالضفة الغربية الممزقة أوصالها... لا شك أن صراخ فقراء غزة قد بات يزعجكم وأنتم تنعمون بالعيش في جنان روابيها.. هل لكم أن تسمعوا هذا البيان.. فللفقراء فقط حق دخول جهنم.. فجهنم الفقر لهم ولا شريك لأحد فيها سواهم... ولا جنة إلا جنانهم بأتون الفقر والحرمان... وللفقر قصص وحكايات مع أبطال الحواري المتمرغين بتراب الأرض... فها هو المشهد يبدو أكثر اتساعا لفقراء غزة ومن لا يعرف... فغزة هي حاضنة الفقر الأوسع والأشهى والأدفأ..