أردوغان العربي وموسى الإسكندينافي../ إيلي شلهوب*

لعلّ أكثر المشاهد التي رافقت العدوان على غزة سورياليةً، ذاك الذي شهدته أروقة دافوس قبل يومين. اختبار عفوي أمام شاشات التلفزة. امتحان في السياسة بلا أقنعة. فحص مجهري للاقتناعات والنيات. قياس بالصوت والصورة لطبيعة البشر، وانفعالاتهم، لإنسانيتهم ومدى تماهي أقوالهم مع أفعالهم.

خشبة واحدة جمعت رجب طيب أردوغان وشمعون بيريز وعمرو موسى. كانوا يجلسون صفاً واحداً جنباً إلى جنب. لحظة، عفواً. كان بان كي مون يفصل الأمين العام للجامعة العربية عن الرئيس الإسرائيلي. ما كان ممكناً أن يتلاصق مقعداهما، وإلا عُدّ تطبيعاً. فمعروف أن العرب لا يزالون متمسكين برفض الاتصال بالمحتل قبل بلوغ السلام، أو أنّ دماء أطفال غزة التي لم تجف هي التي حالت دون حميمية اللقاء. الجواب يبقى عند موسى وحده.

أياً يكن من أمر. تدحرج النقاش فجأة إلى ما بات الخبر الأول على امتداد ما وصفته كوندي رايس ذات مرة بـ«الشرق الأوسط الجديد»: بيريز دافع عن عدوان غزة، بنبرة حادة وصوت مرتفع. أمر طبيعي أن يبرر المجرم مجازره. مداخلة استفزت زعيم تركيا، تلك الدولة «الأطلسية» الحليفة للولايات المتحدة وإسرائيل معاً. سارع إلى الرد بعيون تقدح شرراً، وبلغة أكثر حدة بما يتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وإن بصوت منخفض احتراماً لفارق السن فقط. اتهم بيريز وجهاً لوجه بأنه «قاتل أطفال»، قبل أن يغادر الجلسة.

المُضحك المبكي كان ردة فعل ممثل العرب والعروبة، والأمين على قضاياها، وفي مقدمتها فلسطين. بدا مرتبكاً لا يعرف ماذا يفعل. أسرته كلمات أردوغان وصفق لها، كأنه مراقب من إسكندينافيا يتعاطف إنسانياً مع الأطفال الشهداء.

صافحه بحرارة. تمتم بكلمات لم تلتقطها مكبرات الصوت. لعله قال له «برافو». تلفّت يمنة ويسرة، فإذا ببان كي مون يومئ له بالجلوس، ففعل. وفي هذا معنى واضح: إما أنه اعتقد أن المتحدث التركي كان يدافع عن هندوراس، وإما أنه يرى نفسه غير معني بقضية الخلاف. الجواب يبقى عند موسى وحده.

قد يعتقد البعض أن ما فعله «فارس العرب» ليس بالأمر المستغرب، مستندين إلى حقيقة أنه دبلوماسي محنّك إلى حدّ الانتهازية، حريص على ألا يُغضب وليَّ نعمته في القاهرة وخزان محفظته في الرياض. ويُحتمل أن يعيدوك إلى الماضي القريب عندما تآمر الأمين العام للجامعة على «قمة غزة» التي عُقدت في الدوحة، لإفشالها. بل سيؤكدون لك أن نحيبه المستمر على الوضع العربي بات جزءاً أصيلاً من شخصيته، إلى حدٍّ بات فيه مقتنعاً باستحالة «القيامة».

إنه المتحدث الرسمي باسم «معسكر الاعتدال»، مع الاعتذار لاستخدام كلمة «معسكر». إن شعاره هو «اليد التي لا تستطيع أن تواجهها، قبِّلها وادعُ عليها بالكسر» مع الأمل في أن تمنّ عليك ببعض العطف. سيذكّرونك بأنه الابن البارّ لمدرسة «كامب ديفيد» وأحد أبرز المروجين لسلام الاستسلام. ربما كان يمتلك هؤلاء وجهة نظر. لكن يا لهذه الجرأة. جرأة قيامه بما فعل على الملأ وأمام عدسات المصورين. لعل الأصح أنها كانت قلة جرأة.

أما أردوغان، فلا شك أنه يستأهل تحية إكبار وتقدير، ومعه زوجته أمينة، التي أجهشت بالبكاء وهي تؤكد أن «بيريز يكذب». ما فعله في دافوس لم يأتِ خلافاً للتوقعات، قياساً بالمواقف المشرفة التي أطلقها مذ سقط الصاروخ الأول على غزة. لكن اللافت فيه أنه جاء، بعفويته، تأكيداً على اقتناعه المتجذر في وجدانه بكل كلمة تلفّظ بها في هذا الشأن.

وجه الغرابة الوحيد قد يكون في صدور هذا الخطاب عن رئيس وزراء تركي، قياساً بما اعتدناه من هذا البلد على مدى عقود. لكن حقيقة أن أولى التظاهرات المنددة بالعدوان وأكبرها خرجت من إسطنبول، وواقع التفاف الشعب التركي بكل أطيافه خلف زعيمه في هذه القضية (رغم تكلفتها على علاقاته ومصالحه)، يكشفان عن الوجه الحقيقي لتركيا الذي حجبته في الماضي هيمنة العسكر وأحلاف الحرب الباردة.

ما يجري الآن يبدو تتويجاً لمسيرة طويلة، بدأها أردوغان مذ توليه السلطة، لتصويب البوصلة التركية، وإعادتها نحو الشرق. مسيرة مرت بمحطات عديدة، بدأت باتهام إسرائيل بـ«إرهاب الدولة» في موقعة جنين، مروراً بالانفتاح على العراق، والمصالحة التاريخية مع سوريا، ومواقفه من عدوان تموز وما تلاه، والدور الذي أداه في فك عزلة دمشق.

قد يحاجج البعض بأن في انفتاح أنقرة على العالم العربي مصلحة تركية، بعدما أُقفلت في وجهها أبواب الاتحاد الأوروبي. وإن يكن. وقد يدعي آخر أن أردوغان يُحقق في ما يفعل مكاسب انتخابية. حلال حلال حلال. وربما تذكّر فريق آخر الحقوق العربية التي اغتصبتها تركيا ـ أتاتورك. الحساب يوم الحساب.

المهم أن في تركيا اليوم قيادياً جديراً بأن يكون حليفاً للعرب وقضاياتهم، في وقت يتآمر فيه عليها أباطرة، بعضهم يحرس الأهرام والبعض الآخر منابع النفط.
"الأخبار"