حرية الإعلام في قفص الأجهزة الأمنية/د. أسامة الأشقر*

لقد أصبح مفهوماً أنه يمكن لجهاز أمني وظيفي أن يرسم صورة قاتمة مظلمة عن نظام سياسي ما إذا تجاوز حده في التعاطي مع طبقات المجتمع ووظائفها، لاسيما أن كل فرد في هذا المجتمع يؤدي وظيفة اجتماعية تتناغم مع بقية الوظائف، وليست وظيفة حفظ الأمن رتبة تفوق رتباً أخرى تجيز لصاحبها أن يتعالى ويتجبر ويظلم ، أو يتجاوز حدود وظيفته فيمارس الانتهاك، وكأنه فوق القانون الذي يدّعي حمايته وصيانته.

ما يجري اليوم في الضفة الغربية من جنون الاعتقال على يد جيش الاحتلال من جهة وعلى يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تتبع حكومة سلام فياض ضد كل من يظنون فيه أنه يميل لهذا الطرف أو ذاك نموذج صارخ لسيادة منطق الانتهاك في الضفة ، قد لا نتحدث كثيراً عن ممارسات الاحتلال إذ هو عدو واضح كما أنه نظام يتأسس على الظلم والقتل والانتهاك أصلاً، أما من السلطة الفلسطينية فهذا مختلف جداً لاسيما أن الفئة التي بات يستهدفها هذا النظام فئة وظيفية تؤدي عملها في إطار المجتمع ومنظوم الفهم العام لإدارة المجتمع وتنظيمه وهي الصحافة .

تصلنا تقارير كثيرة عما تفعله أجهزة أمن السلطة من ضغوط معنوية وجسدية على الأقلام الصحفية وعلى حرية الرأي والتعبير، ونتابع أيضاً التقارير التي تشرح كيف تمنع هذه الأجهزة وسائل الإعلام من ممارسة عملها وأداء واجبها في كشف الحقيقة وتصوير الواقع، وتابعنا جميعاً كيف قامت هذه الأجهزة بحرق سيارات إعلاميين وتهديد كثيرين بالسجن أو إغلاق المكاتب أو حرمانهم من تغطية أحداث رسمية ، أو منعهم من الاستفادة من تقنيات الاتصال الفضائي الحديثة، لكن أن يتجاوز هذا الأمر إلى الاعتقال العبثي التحفظي دون إبداء الأسباب، أو توضيح ظروف هذا الاعتقال للرأي العام، أو السماح بزيارة أهله ، أو إعطاء سقف لنهاية التحقيق أو الاعتقال ، وإبداء السخرية مما سيفعله الإعلام نتيجة هذا الاعتقال في ظل وجود جهاز أمني يتمتع بسلطات كبيرة ممنوحة له أساساً من سلطات الاحتلال التي قامت على تدريبه وتأهيله وتسليحه أيضاً وتغطيته وتوجيهه، - هذا الأمر يبدو لنا مبالغة لا نتصور أن أحداً سيقبل أن يفتح لها نافذة للفهم، بل ستترك انطباعاً محفوراً أن هذه الأجهزة باتت عبئاً على الأمن وعلى النظام السياسي، وأن الدعوة لإصلاحها وتنظيم عملها باتت أمراً ملحاً أيضاً يجب أن تتشارك فيه وسائل الإعلام مع كل الدعوات السياسية الفلسطينية الداخلية لأنها أصبحت ضحية أيضاً لهذه الأجهزة وسلوكها المشين .

لكن استغرابي يزداد عندما تمتنع نقابة الصحافيين الفلسطينيين في الضفة الغربية عن إدانة اعتقال مراسلي القدس، أو الاحتجاج على الاعتداء على الدكتور عبد الستار قاسم، أو الدعوة لوقف تجاوزات الأجهزة على وسائل الإعلام المحايدة، بينما كانت هذه النقابة تصدر سيلاً من التصريحات والبيانات والمقابلات لتأجيج الفتنة الداخلية وزيادة حدة الصراع بين الإخوة والأشقاء، وتخلى هؤلاء عن دورهم الوظيفي ليؤدوا دوراً آخر في خدمة هذه الأجهزة للحفاظ على بعض المكتسبات الزائلة .

إنني أعتقد بضرورة تدخّل العقلاء من سياسيين وأهل رأي في وقف تجاوزات أجهزة الأمن بحق الإعلام ، ولنا تجربة أليمة في قطاع غزة حيث تحولت هذه الأجهزة على مدار سنوات عجاف إلى إقطاعيات شخصية لشخصيات نافذة، وتسببت بسلوكها غير المنضبط في ما وصلنا إليه اليوم من انقسام سياسي حاد ومخاصمة عنيفة، ويجب أن تتوحد جهود أهل الرأي والإعلام والقوى السياسية لمحاصرة هذا السلوك غير القانوني ومعاقبة المتسببين في هذا التسيب والانفلات الذي لم يحقق لما سوى التشوهات والأذى القريب والبعيد ، وهي فرصة اليوم لتقديم بعض النوايا الحسنة في إعطاء الإعلام حريته والانفتاح على الحقيقة والتعايش معها، والتصرف معها بحكمة، بدل تغطيتها وسترها بينما هي تتفاعل بغليان لا يحسب له صانع القرار حساباً، وعلى صاحب القرار السياسي أن يعلم أن الإعلام يؤدي له خدمة جليلة بفتح عينه على جوانب قد يحجبها عنه المقربون ليجعلوه يرى بعين واحدة فقط ، فالإعلام أقرب إلى صانع القرار من بعض المقربين منه في أحيان كثيرة.

الحرية لمراسلي قناة القدس ، والحرية لوسائل الإعلام المحجوبة عن الوصول للناس في كل فلسطين.


• مدير مؤسسة فلسطين للثقافة.