قرصنة إسرائيلية في المياه المصرية!../ محمود المبارك*

إذا كان النفاق الدولي حول الالتزام بمبادئ القانون الدولي يحتاج إلى مزيد إيضاح، فإن صمت العالم الغربي على ما قامت به إسرائيل من اعتداء على سفينة «الاخوة» اللبنانية يوم الخميس الماضي في المياه المصرية، وما شمله من إجبار السفينة على تغيير مسارها وتهديدها بالقصف إذا لم تستجب، ومن ثم احتجاز السفينة وتفتيش ركابها ومصادرة بعض ممتلكاتهم والاعتداء عليهم بالضرب كما جاء في تصريحات الركاب أنفسهم، كل ذلك يؤكد من جديد المفهوم الغربي لتطبيق قواعد القانون الدولي!

ذلك أن الاعتداء الإسرائيلي على السفينة اللبنانية - التي كانت تحمل مساعدات شعبية من الأغذية والأدوية الطبية - يعد في القانون الدولي عملاً من أعمال القرصنة البحرية، وهو جريمة من جرائم القانون الدولي تستوجب المحاكمة والعقوبة، طبقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 - التي تحدد الإطار القانوني المنطبق على مكافحة القرصنة والسطو المسلح في البحار - واتفاقية سلامة الملاحة البحرية لعام 1988، التي تنص على تجريم تلك الأفعال.

إلا أن المثير في الأمر أن هذه الجريمة الإسرائيلية الجديدة، لم تُثِر قلق الحكومات الغربية المدافعة عن القوانين الدولية!

وفي الوقت الذي تنتفض فيه غيرة الحكومات الغربية ضد القرصنة الصومالية، وتعقد بسببها المؤتمرات الدولية، وجلسات مجلس الأمن الطارئة، التي تنتهي بإصدار قرارات ملزمة يتصرف من خلالها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، تتجلى حكمة الصمت عند المؤسسات الرسمية الغربية حيال الانتهاكات الإسرائيلية المماثلة في أنصع صورها!

ولعل ما يثير السخرية أن مجلس الأمن أصدر خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي القرار رقم 1846 (2008) والقرار رقم 1851 (2008)، اللذين يدين فيهما - ضمن أمور أخرى - أعمال القرصنة البحرية التي «تستهدف السفن التي توصل المساعدات الإنسانية»!

هذا التناقض القانوني والنفاق السياسي في التعامل مع مبادئ القانون الدولي لا يقف عند حدود العالم الغربي، بل يتعداه إلى عالمنا العربي، حيث عقدت الحكومات العربية قبل أسابيع فقط مؤتمراً دعت فيه إلى تنسيق الجهود لوضع إطار قانوني لحماية البحر الأحمر من القرصنة البحرية، ولكنها أعجز من أن تقوم بتصرف مماثل حيال القرصنة الإسرائيلية!

ومن غير انتقاص لخطورة القرصنة الصومالية، إلا أن القرصنة الإسرائيلية أكثر خطراً وأسوأ ضرراً من مثيلتها الصومالية! ذلك أن القرصنة الصومالية - على رغم فداحتها وخطورتها - هي لغرض الاستيلاء غير المشروع على المال، عن طريق ابتزاز الدول والشركات الكبرى، بدفع فدية ثمينة مقابل إطلاق سراح السفن المختطفة ومن عليها.

أما القرصنة الإسرائيلية فهي بقصد منع الدواء والغذاء عن فئة معينة من الناس بقصد إفناء جزء منهم، وهو الأمر الذي يعد «جريمة إبادة» بموجب اتفاقية منع إبادة الجنس البشري لعام 1948، وهو النوع الثاني من «الجرائم ضد الإنسانية» طبقاً لتعريف الإبادة بموجب المادة 7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية!

من هذا الباب تأتي المساعدة الشعبية اللبنانية منعاً لاستمرار جريمة الإبادة هذه، التي ما زالت تمنع الأبرياء من الحصول على حقوقهم الفطرية، التي حفظتها لهم القوانين البشرية والدينية!

المثير في الأمر هو الموقف الرسمي المصري، على رغم أن القرصنة الإسرائيلية تمت في المياه الإقليمية المصرية، كما صرح بذلك قبطان السفينة اللبنانية، الأمر الذي يعد انتهاكاً للمادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تحرم وتجرم القرصنة البحرية بكل أشكالها ومن غير تمييز!

والسؤال الذي لا يزال يبحث عن إجابة يتعلق بوجود «السيادة المصرية» في مياهها الإقليمية، خصوصاً أن المادة 105 من اتفاقية قانون البحار الآنفة الذكر تجيز للسلطات المصرية «ضبط أي سفينة تقوم بعمل القرصنة والقبض على من فيها من الأشخاص وتقديمهم للمحاكمة»! يزيد من هذه الشكوك ما صرح به قبطان السفينة من أنه بعث نداءات استغاثة للسلطات المصرية من دون إجابة!

الأسئلة المثارة حول «السيادة المصرية» في المياه الإقليمية، تتزامن مع الموقف المصري المماثل من القصف الإسرائيلي على الجانب المصري من الحدود المصرية مع رفح أثناء الحرب على غزة، والذي لم يبد مقلقاً للمسؤولين في الحكومة المصرية!

من يدري فربما كانت السلطات المصرية أدرى بحدود «سيادتها» البرية والبحرية! ومن يدري فربما تطلبت السيادة المصرية القبض، ليس على من يخرق سيادتها من الجانب الإسرائيلي، وإنما على من يطالبها بذلك!
"الحياة"