جدلية فعل الإفراج عن مروان البرغوثي../ يونس العموري*

أيا تكن المعلومات او التفسيرات التي يتم تناولها والتي تعج بها الساحة الفلسطينية بالظرف الراهن حول اطلاق سراح الأسير مروان البرغوثي، والكيفية التي ستكون عليها مسألة الإفراج، فثمة حقيقة واحدة لابد من الإشارة إليها هنا والتوقف عندها، وهي أن السيد مروان البرغوثي هو بالنهاية أسير ويقبع في المعتقلات الإسرائيلية، وبالتالي لا خيارات أمامه أو بالأحرى فأنه لا يُخير ....

وهذه بالمحصلة حقيقة راسخة يجب أن لا تضيع حينما يتم تناول مسألة الإفراج عن البرغوثي، إلا أنه وبذات الوقت فقد تحولت قضية مروان البرغوثي إلى قضية لها أبعاد ثلاثية الشكل والجوهر محلية فلسطينية وإقليمية وأيضا دولية وذات حسابات دقيقة على كافة المستويات والصعد.

واعتقد أن ثمة الكثير من المراهنات باتت تعقدها أطراف عدة على مروان الخارج من أقبية السجون والمعتقلات، ومن هنا تكتسب مسألة الإفراج عنه هذه الأهمية. وحتى يكون الإنصاف سيد الموقف فلابد من تناول المسألة بعيدا عن أية حسابات سياسية تحاول الكثير من الأطراف زج مروان فيها. وأول هذه الجهات بإعتقادي هي إسرائيل ذاتها والتي تحاول الإيحاء أن مروان تحت عباءة التفاهمات السلطوية وحساباتها واستحقاقاتها، كما أنها تحاول ومنذ الأن رسم المسار السياسي لمروان، كأن يصرح مصدر سياسي إسرائيلي قبل أيام لوسائل الإعلام (إن إسرائيل تدرس خيار الإفراج عن القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي من أجل تعزيز حركة فتح التي يقودها الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبيل أي تبادل محتمل للأسرى مع حماس)....

وإسرائيل بهذا التصريح وتصريحات أخرى تحاول أن يكون لها صوت ما في لعبة السجالات الفلسطينية الداخلية، وهي بذلك إنما تعمل على تقويض أساسات أركان المناهج النضالية الكفاحية بالداخل الفتحاوي بشكل أو بآخر، والتي تحاول جاهدة استعادة الدور الريادي والقيادي للحركة. ولكن حينما تخرج هكذا تصريحات فهي بلا أدنى شك تهدف الى الإمعان في تشويه صورة حركة فتح، ووضعها على خارطة الإهتمام الإسرائيلي لمواجهة الأطراف الفلسطينية الرديكالية الأخرى حسب الإعتقاد الإسرائيلي، وهي بذلك تعمل على إنهاء فتح كحركة ذات بعد وطني تحرري، وهو الأمر غير المخفي من أجندة أهداف الدولة العبرية، والتي لطالما عملت على إفراغ فتح من محتواها الوطني ذي الأبعاد المقاومة والتي تستند الى التجربة التاريخية لمسار الحركة الوطنية التحريرية بالمجمل...

لا شك أن ارتباطات القضية الفلسطينية وتفاصيلاتها باتت شأننا إقليميا ودوليا، وبالتالي فإن صناعة السياسات الإقليمية وتوجهاتها المختلفة والمتناقضة تحتم بشكل أو بآخر التدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية وعلى مختلف الصعد والمستويات وقياس فعالية أي من الخطوات التي قد تقدم عليها كافة الأطراف على الساحة الإقليمية. من هنا يمكن القول إن مسألة الإفراج عن مروان ليست قرارا إسرائيليا فحسب على اعتبار أنه ليس بالإمكان القياس أن المعيار الأول والأساسي في هذه المسألة هو طبيعة المُعطى الأمنى بالنسبة إلى صانع القرار الإسرائيلي على أهميته، والقياس هو للمعيار السياسي أولا وأخيرا بالشكل البراغماتي للبرنامج السياسي الإسرائيلي.

وبمعنى آخر قياس إمكانية تعاطي البرغوثي والأطروحة السياسية الإسرائيلية على أقل تقدير ومنهج العلاقة ما بين السلطة وإسرائيل بالظرف الراهن في ظل الحقبة التاريخية الراهنة، والتي تفترض إبقاء الحال على ما هو عليه من خلال الإبقاء على سياسة التفاوض طويلة الأمد، والتفاوض على المفاوضات ذاتها مع إمكانية إنجاز لبعض القضايا الثانوية، الأمر الذي يعني بالمفهوم الإسرائيلي إبقاء حالة تصالحية معينة مع الجانب الفلسطيني تساعد الجانب الإسرائيلي بتوجهاته الدبلوماسية وسياساتها الخارجية لمواجهة ما يسمى استحقاقات العملية التسووية عبر فرضيات التهدئة أو صناعة للاستقرار الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة (السلام الإقتصادي)، أو بالعودة إلى السياسات المرحلية في إنجاز ملفات محددة وذات أبعاد أمنية بالدرجة الأولى ( الإنسحاب من بعض مدن الضفة ووقف التوغلات العسكرية ) أي إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه ما قبل اندلاع الإنتفاضة الثانية مع إبقاء جدار الفصل العنصري، وهو الأمر الذي تعتبره إسرائيل مفتوحا للتفاوض ولإمكانية إنجاز حالة تفاوضية عليه ومن خلاله مع إعادة تجميد الحسم في القضايا ذات الأبعاد السيادية .....

هكذا إذن ينظر الجانب الإسرائيلي إلى الحالة التفاوضية التسووية مع الجانب الفلسطيني، وبالتالي فقياس فعل إطلاق سراح مروان البرغوثي بالنسبة للجانب الإسرائيلي مرتبط بشكل جدلي بفهم مروان لطبيعة المرحلة السياسية الراهنة وحالة الإشتباك القائمة حاليا بالعلاقة الجدلية ما بين الاحتلال وما بين فعل التحرر بذاته، وتحديد طبيعة الأولويات والأدوات من قبل المنهج الذي من الممكن أن يتبعه البرغوثي في مختلف الدوائر التي من الممكن أن يكون له التأثير بها وتحديدا بالدائرة الفتحاوية ومختلف محاورها العاملة الآن في الإطار الفتحاوي عموما، والذي بات بنظر الكثيرين له بالمخلص لحالة الشرذمة التي تعيشها حركة فتح، وكأن إصلاح فتح بات يعتمد على الشخص المخلص، وبذلك يكون الظلم والظلم الكبير للمؤسسة الفتحاوية عموما وتحميل البرغوثي طاقة اعتقد أنها أكبر من حجم الرجل، وفيه الكثير من التجني على مسار العمل التحرري الذي يفترض أنه ينطلق من قاعدة مؤسساتية أولا وبرامج التوجهات السياسية المعتمدة على الرؤية الإستراتيجية التي يفترض ان الحركة تملكها ولابد أن تتملكها من خلال مصوغات أدبياتها التي لابد من إعادة برمجتها بمحطة المؤتمر العام السادس.

لذلك لابد من الإنتباه إلى المبالغة بإمكانية الفعل البرغوثي في إطار حركة فتح، وهنا لا يخفى على أحد حجم التناقضات القائمة ما بين أقطاب ومراكز القوى بالداخل الفتحاوي. الدائرة الثانية التي يتم التعويل عليها تتمثل بإمكانية التأثير من قبل البرغوثي على وقائع العلاقة الداخلية بالساحة الفلسطينية، وهذا الأمر بلا أدنى شك أنه مرتبط بالمكانة القيادية التي سيحظى بها مروان بحركة فتح وهل سيسمح له أن يؤثر ايجابيا بتوطيد العلاقات الوطنية ما بين الكل الوطني وهذا له استحقاقات، أتصور أنها ذات أبعاد أيضا براغماتية لفتح أولا ولباقي الفصائل الطامحة لإعتلاء منصة الحكم السلطوي سواء أكان ذلك في اطار السلطة الوطنية الفلسطينية او في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الأمر الذي يعني بالنهاية ماهية الرؤية المعلقة عليها الآمال وطبيعتها، مع العلم أن الكثير ممن يتربعون الآن على العرش السلطوي في رام الله أو في غزة لا يأبهون كثيرا لإنجاز اختراق فعلي وحيوي في ملف المصالحات الفلسطينية على اعتبار أن بذلك تهديدا لمصالحهم وهو الأمر الذي أصبح مكشوفا ومعلوما معروفا....

والسؤال الذي يقض مضاجع الكثيرين هل باتت المصالحة الوطنية تتناقض ومصالح زعامات وأمراء الممالك التنظيمية؟؟ أعتقد أن ثمة تقاطعا منطقيا هنا، بل اعتقد أن الكثيرين ومن مختلف التوجهات باتوا يعلقون الآمال على البرغوثي لإنجاز مصالحات تاريخية، إذا ما جاز التعبير، استنادا إلى دوره في انجاز وثيقة التوافق الوطني (وثيقة الاسرى) .... والسؤال المكرر هل إنجاز الوحدة يعتمد على الرجال والقادة بالأساس، أم أنه فعل من المفترض أن يستند إلى قاعدة الفهم السياسي لضرورات إنجاز العمل الوحدوي على قاعدة مقاومة الاحتلال وإنجاز مشروع التحرر وبناء الدولة والحق بتقرير المصير؟؟

أخيرا ثمة من يعول على دور البرغوثي برأس القيادة الفلسطينية، وهنا أضع ملاحظة أعتقد أن لها الكثير من الأساسات والإستنادات وهي بإختصار تتمثل بأن الرأس القيادي الفلسطيني، وتحديدا بالإطار السلطوي للسلطة الفلسطينية، لابد أن تكون ثمة معادلة فلسطينية إقليمية دولية متوافق عليها ليكون أن يأتي الرئيس الفلسطيني العتيد .... وهنا لابد من التنبه لهكذا معادلة وكيف سيتم إخراجها.

إن مسألة الإفراج عن مروان البرغوثي مسألة ذات دلالات بمسار العملية السياسية برمتها، والكيفية التي سيتم من خلالها فعل الإفراج له الكثير من المؤشرات ذات العلاقة والشأن إلا أن البرغوثي يبقى الأسير الذي يتوق للحرية، وبالتالي فإن هذا النقاش لا علاقة للبرغوثي به بالمطلق.