مؤتمر إلغاء الشعب الفلسطيني../ الفضل شلق

نعرف من التجرية الجماعية والشخصية في لبنان، أن المؤتمرات لا تعمر بلداً، حتى لو جمعت كل دول العالم المانحة، الكبرى منها والصغرى. المؤتمرات مناسبات سياسية؛ تُعلَن فيها النيات؛ تُعطى الوعود؛ تأتي الشروط في ما بعد؛ والتنفيذ يعتمد على الإيفاء بالوعود (وهذا ليس دائماً) وعلى فرض الشروط (إذا كانت مقبولة).

يطيب للأميركيين القول إن إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة مشروع مارشال الأميركي الذي أقر بعد 4 سنوات من انتهاء الحرب، بقيمة 13 مليار دولار (حوالى 120 مليار دولار بأسعار اليوم). نتائجه عرضة للنقاش، على كل حال. أما إعمار لبنان في التسعينيات، أي بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية، فقد تم معظمه في غضون أربع سنوات، وانتهى هذا الجزء قبل نهاية العام 1997، قبل أن يلغي الأميركيون الحظر على لبنان. لم يكن للأميركيين أية مساهمة في هذا البرنامج.

في مؤتمر شرم الشيخ جاءت الشروط، بعضها على الأقل، في اليوم ذاته. أعلنت كلينتون ثم ساركوزي أن المساعدات (لا نعرف ما إذا كانت هبات أم قروضاً) يجب أن لا تمسها حماس.

الواهبون فقط يقررون أقنية الإنفاق والتنفيذ. هكذا يتم إلغاء الإدارة الفلسطينية. تجاهلت كلينتون كما ساركوزي أن حماس سلطة منتخبة. من قبل، أقال عباس هذه السلطة، ثم صار هو نفسه سلطة غير شرعية. ضاع الشعب الفلسطيني بين سلطة غير شرعية وسلطة مقالة، غُيِّب عن المؤتمر، ولو حضر الفلسطينيون الذين حلت عليهم بركة «المجموعة الدولية». تضييع الشعب الفلسطيني وتغييبه، وصولاً إلى إلغاء إرادته السياسية، لم يكونا أمراً عفوياً، بل كانا جزءاً من برنامج المؤتمر.

فقد علمنا من المداولات التي دارت في دهاليز المؤتمر أن الاتحاد الأوروبي لديه مؤسسة سوف تتولى الإعمار، وكذلك الأميركيون، وكذلك دول الخليج العربية. سوف تأتي هذه المؤسسات، تبني وتشيد، ترسم الخطط وتنفِّذ، بينما الشعب الفلسطيني يتفرج. في عملية الإعمار، لا لزوم للشعب الفلسطيني كما لا لزوم له في مجالات أخرى سياسية أو عسكرية.

في لبنان تعلمنا تجربة مناقضة، وهي أن اللبنانيين هم الذين عمرو وخططوا ونفذوا؛ كانت المساعدات الخارجية مكملة لجهودهم، ولم تحل محلها في أي لحظة من اللحظات.

لن يطول الحديث هنا عن تفكك السلطة الفلسطينية بعد 15 عاماً على اتفاق أوسلو. ما نعرفه بالتأكيد هو أن قادة إسرائيل يستخدمون شعار الدولتين لتفريغ السلطة الفلسطينية (متى وأينما وُجدت) من السيادة، أي من الإرادة الفلسطينية. وهم أيضاً يستخدمون «عملية السلام» لإتاحة الوقت الكافي لقضم مزيد من أراضي الضفة الغربية.

تبقى فلسطين تحت الاحتلال: بالوجود العسكري المباشر، أو بالمراقبة عبر الحدود والبحر والسماء، أو بالحرب التي تشن ضد الشعب الفلسطيني من أجل تهجيره وإبادته.

في يوم مؤتمر إعمار غزة تسربت أنباء من إسرائيل عن مخططات لبناء مستوطنات إضافية تحوي 73000 منزل. هذا إعمار، وذاك إعمار. الأول تقوم به منظمات غير حكومية فلسطينية، بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، لإلغاء الإرادة الفلسطينية. الثاني تقوم به سلطة إسرائيلية في أرض فلسطينية، لإحلال اليهود الإسرائيليين مكان فلسطينيي الضفة الغربية، لإلغاء وجود هؤلاء.

يبدو أن إلغاء الإدارة الفلسطينية، من جهة، وإلغاء الوجود الفلسطيني، من جهة أخرى، هما وجهان لعملة واحدة؛ هما جزء من برنامج واحد. برنامج تُفرض بعض بنوده في شرم الشيخ، وتُقرَّر بنوده الأخرى لدى السلطة الإسرائيلية.

سيبقى هذا هو البرنامج الذي تنفذه إسرائيل، بدعم غربي، ما لم يوضع حد لعملية السلام، وتنسحب إسرائيل انسحاباً فورياً، وتعلن دولة فلسطين ذات سيادة وعاصمتها القدس.

يعرف الجميع أن لدى الفلسطينيين المقيمين في أرضهم وفي الشتات الكثير من الإمكانات التقنية المتقدمة. نعرف أيضاً أن لديهم مؤسسات وشركات كبرى ساهمت في إعمار العديد من البلدان العربية، ومن بينها لبنان. لماذا إذاً يُحرم الفلسطينيون من إعمار بلادهم؟ ليس المهندسون الفلسطينيون بحاجة إلى مساعدة تقنية ليتعلموا الإعمار. هم أساتذة في هذا المجال.

المشكلة ليست في الإعمار، إذا كان هذا ما يراد حقاً. المشكلة هي في السياسة، في القرارات التي تؤخذ كأن الشعب الفلسطيني غير موجود، وكأن ما يراد هو أن يزول هذا الشعب حتى تزول المشكلة.

لقد دمرت إسرائيل السلطة الفلسطينية قبل ان تنشأ، لتقول للعالم إنه ليس لها مُحاوِر. الآن تأتينا كلينتون وساركوزي ليتحدثا بلغة الأمر، وليضعا الشعب الفلسطيني موضع المتفرج على عملية الإعمار، إن حصلت. إسرائيل قالت إن الشعب الفلسطيني ليس أهلاً للحوار السياسي، وزعماء الغرب يقولون إن هذا الشعب ليس أهلاً لإعمار بلده. هكذا تستمر الحرب على غزة، وعلى فلسطين عموماً، بأشكال أخرى.

دمرت إسرائيل غزة بهجوم وحشي استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة ضد المخيمات التي لا يحتمل بعضها هزة ريح، واستخدمت ذخائر تحرمها الشرائع الدولية والأعراف الإنسانية. المعروف أن معظم السلاح الذي استخدمته إسرائيل أميركي المصدر. ولا يمكن إلا الاقتناع بأن برنامج العمل الإسرائيلي في الحرب والسلم يحوز موافقة أميركية من نوعٍ ما. ويريدوننا الآن أن نقتنع بان مصدر الدمار الأميركي سوف يكون مصدر الإعمار.

ما عجزت عنه إسرائيل بالوسائل الحربية مقدَّر له أن يستمر بوسائل أخرى من شرم الشيخ إلى غزة إلى الضفة الغربية.
تنوعت الأسباب والنتيجة واحدة.
"السفير"