الحدود المتواضعة لسياسة أوباما العربية/ عبد الاله بلقزيز

وسط طوفان من التفاؤل الرومانسي بعهد باراك أوباما، كنّا وما نزال نؤْثر الرسل والريث في إطلاق حبل الرهان على غير تبيّن، فالرجل ابتداء وإن له من الخصال الانسانية العالية الكثير على ما تفيد أقواله وأفعاله ابن المؤسسة الأمريكية التي أنجبت رؤساء كان ينبغي لبعضهم ان يساق إلى المحكمة الجنائية الدولية وأولهم جورج بوش؛ ومرشح حزب كان على الدوام وكراً من أوكار الحركة الصهيونية، ورجل دولة لها مصالحها واستراتيجياتها العليا التي لا يملك رئيسها أن يبدل من أمرها تبديلاً. ولهذه الأسباب، ولغيرها، عزفنا عن التهليل المجاني من دون ان نسقط عن النفس مشاعر الإعجاب بكفاءة أوباما، وطموحه الخرافي في أن يحدث الاختراق الأول غير المسبوق في تاريخ أمريكا لنظام ظل مقفلاً على الرجل الأبيض في البيت الأبيض.

لم نبرح موقف الريث حتى اللحظة، وقد مضى على تنصيب أوباما شهران من الزمن ويزيد، وخلالهما ما توفرت لنا من سياسته قرينة على وجوب رفع التحفظ، حتى لا نقول إن ما بين أيدينا من مواقف أمريكية حيال قضايانا العربية والإسلامية في الأسابيع الأخيرة لا يكفي إلا للمزيد من التردد في التعويل على تغيير ما في الموقف الأمريكي، ولقائل أن يقول: وكيف نتجاهل قرار الانسحاب من العراق، والانفتاح على سوريا، والدعوة إلى الحوار مع إيران والحوار مع “معتدلي طالبان”؟ وهي، من دون شك، علامات جيدة على مقاربة أمريكية أفضل لقضايا المنطقة، لكنها مع ذلك لم تأت مفاجئة ولا دلت على تحول ما في مواقف أمريكا، ولا هي خارج مألوف سياساتها كلما جنحت لبعض الرشد والحكمة كما في عهد كنيدي، وكارتر وكلينتون، ولنا على ما نذهب إليه أدلة عديدة:

لم يتقرر الانسحاب العسكري الأمريكي في البرنامج الانتخابي للرئيس أوباما (ولو أنه وَفَى به)، وإنما في عهد سابقه المنصرم جورج بوش، وهو هنا ما تقرر في إطار ما عُرف ب”الاتفاقية الأمنية” التي فرضها بوش على المتعاونين معه في العراق، وإنما قبل ذلك بكثير: منذ الإعلان عن توصيات “لجنة بيكر هاملتون” التي حظيت بإجماع أمريكي لدى الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) وفي الكونجرس. كان واضحاً منذ ذلك الحين وعلى الرغم من مكابرة إدارة المحافظين الجدد أن الاحتلال إلى زوال والمسألة مسألة ترتيب السيناريو الذي يحفظ ماء الوجه لا أكثر. وعليه، لم يفعل أوباما إلا ما كان في حكم الوارد المحتم على أي رئيس يأتي بعد بوش.

الشيء نفسه يقال عن خيار الحوار مع سوريا وإيران: الذي كان في صميم ما أوصت به “لجنة بيكر هاملتون”، بعد أن تبين للحزبين معاً وللكونجرس مدى الفشل الذريع الذي منيت به سياسة العزل الأمريكية لدولتين ذاتي نفوذ إقليمي في ما يسمى بمنطقة “الشرق الأوسط”. وقبل أن يبدأ الرئيس أوباما ترتيبات الحوار مع سوريا، كانت رفيقته في “الحزب الديمقراطي” رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي قد شدت الرحال إلى دمشق والتقت الرئيس بشار الأسد متحدية رئيسها بوش، وأركان إدارته. ومثلها فعل الرئيس الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر ونواب آخرون. أما الحوار مع إيران، وقد كان يتردد الحديث عنه كخيار حتى داخل إدارة بوش في الهزيع الأخير من ليلها الطويل، فإن إضافة أوباما الوحيدة عليه (وهي ليست قليلة الشأن) هي إنهاء التفويض الأمريكي للأوروبيين بمفاوضة إيران على برنامجها النووي بحزمة الحوافز والقيام به رأساً من دون وساطة. ومرة أخرى، فعل أوباما ما كان مطروحاً كخيار وإن لم يوضع موضع تنفيذ.

ولعل القرار الوحيد الذي يعود إليه شخصياً، وفريق عمله السياسي، وهو فتح الحوار مع “معتدلي طالبان”. ولعله اتخذه، أيضاً، بناء على نصائح حاكم أفغانستان حامد قرضاي ورئيس باكستان زرداري اللذين اختبرا قدرة “طالبان” على هزّ “الاستقرار” في البلدين. على أن هذا الخيار نفسه يصبح غير ذي معنى أو جدوى مع استمرار القوات الأمريكية في قصف مناطق القبائل في وزيرستان وإلحاق الأذى بالمدنيين، وإهانة الأمن القومي الباكستاني، ومع إصرار إدارة أوباما على زيادة القوات العسكرية في أفغانستان وتعريف الحرب فيها بوصفها من أولويات الأمن القومي الأمريكي.

هذه وغيرها تكبح أي محاولة للتهليل المجاني بالعهد الأمريكي الجديد: على الأقل في بلادنا العربية ومحيطها الإسلامي. على ان أهم ما امتحن نيات إدارة أوباما وكشف عن محدودية ما في جعبتها السياسية هو موقفها من قضية فلسطين والصراع العربي “الإسرائيلي”. فليس لدى أوباما، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، حتى الآن، أية رؤية سياسية جديدة لقضية فلسطين، ولهذا الصراع تقطع مع سابقتها أو تستقيل عنها أو تتمايز. الأنكى والأمّر أنها، حتى يوم الناس هذا، هي نفسها سياسة بوش بلا زيادة ولا نقصان: الدعم المطلق للكيان الصهيوني وضمان أمنه وتفوقه، التمسك ب”خريطة الطريق” وصيغة “الرباعية” وشروطها غير المتوازنة، الاعتراف الانتقائي ب”الشرعية الفلسطينية” ورفض الاعتراف ب”حماس” أو الحوار معها، الاعتراف بحق “إسرائيل” في “الدفاع عن نفسها” وهي الدولة المحتلة وعدم الاعتراف للفلسطينيين بالحق في الدفاع عن النفس.

هذه حتى الآن ملامح سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة كما تنطق بها مواقف باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجورج ميتشل إزاء قضية فلسطين والصراع العربي “الإسرائيلي”. وإلى أن يعلن أوباما إن أعلن ولن يُعلن أن على “إسرائيل” تنفيذ قرارات مجلس الأمن والانسحاب إلى خطوط 4 يونيو ،67 وإعادة اللاجئين إلى أرضهم وديارهم، وتفكيك المستوطنات، وإلى أن يعلن حق شعب فلسطين في إقامة دولته على كامل تراب الضفة والقطاع والقدس، سنظل نلوذ بالتحفظ في إبداء الحماسة لسياسته في منطقتنا.