تكيف العرب مع أوباما حدوده ومردوده../ د.عصام نعمان

لعل الموضوع الأبرز في مداولات القادة العرب في قمة الدوحة هو حدود التكيّف مع باراك أوباما، نهجاً ومضموناً، والمردود المنتظر منه.

أوباما أفصح، غير مرة، عن تغيّر في سياسة الولايات المتحدة تجاه قضايا المنطقة. آخر مبادراته في هذا السبيل رسالته إلى إيران في عيد النوروز. وهي رسالة تهم في أبعادها الجميع، عرباً وعجماً، لأن القضايا موضوع الحوار الأمريكي الإيراني المرتقب هي قضايا مشتركة ومترابطة في ما بينها ذلك يستوجب، بالضرورة، إجراء مداولة بين القادة العرب للتعرّف إلى مواقف بعضهم بعضاً في شأنها وإمكان الالتقاء على قواسم مشتركة.

ظاهر الحال يوحي بأن معظم القادة العرب على استعداد، بصورة عامة، للتجاوب مع مبادرة أوباما الجديدة حيال قضايا المنطقة والتكيّف مع متطلبات وضعها موضع التنفيذ. ولكن ما حدود هذا التكيّف ومردوده؟ وماذا ينتظر القادة العرب من الرئيس الأمريكي الجديد؟

ليس ثمة موقف واحد من حدود التكيّف ومردوده. فالمسألة محكومة بظروف كل دولة عربية ومتطلباتها الوطنية والإقليمية. فلنستكشف بالتحليل والاستقراء مواقف الأطراف المعنية بمبادرة أوباما أكثر من غيرها بحكم الموقع الجيوسياسي والثقل الديموغرافي والعلاقة الصراعية مع الولايات المتحدة وإيران.

تبدو مصر معنية أكثر ما يكون باستعادة دورها الإقليمي، ولا سيما تجاه “إسرائيل” وإيران، وما يمكن ان تنتهي إليه المفاوضات المرتقبة من ترتيبات في شأن قضية غزة خصوصا وقضية فلسطين عموماً. ذلك أن معبر رفح هو، في الواقع، مدخل العبور إلى قضايا المنطقة وأبرزها، بالنسبة للعرب، قضية فلسطين بعنوانها المرحلي: إعمار غزة. من هنا يمكن تفسير زيارة وزير الاستخبارات المصري عمر سليمان إلى واشنطن بأنها تحرك من أجل ضمان موافقة أمريكا على مشاركة “حماس” في حكومة وفاق وطني تتولى الشؤون الفلسطينية جميعاً في هذه المرحلة. هل وافقت واشنطن على طلب القاهرة؟ لعل الجواب ينتظر تشكيل الحكومة “الإسرائيلية” الجديدة وموقف رئيسها بنيامين نتنياهو من التعاطي مع “حماس” ومن سائر القضايا الخلافية.

السعودية تبدو الأكثر انفتاحاً على الرئيس الأمريكي وبالتالي الأكثر تكيّفاً مع متطلبات مبادرته عندما تدخل حيز التنفيذ. ستصرّ الرياض بالتأكيد على ضرورة ان يُلزم أوباما نتنياهو بمبادرة السلام العربية لتكون أساساً لأي مفاوضات مقبلة. كما ستطلب الرياض من الرئيس الأمريكي ضمانات تقي السعودية من مفاعيل أي صفقة بين واشنطن وطهران تتعلق ببرنامج إيران النووي.

سوريا لا تراهن كثيراً على أوباما. صحيح أنها أعلنت ترحيبها بمبادرته وابدت استعدادها للتعاون معه في كل ما من شأنه تحقيق السلام العادل في المنطقة، لكنها تريد أفعالاً لا أقوالاً. ذلك أنها لا تنتظر مواقف أمريكية نوعية في هذا المجال بسبب صعود اليمين “الإسرائيلي” المتطرف إلى السلطة من جهة واحاطة أوباما نفسه بمجموعة من المستشارين المخضرمين المعروفين بانحيازهم إلى “إسرائيل” من جهة أخرى.

قطر تجد في مبادرة أوباما فرصة جديدة لتعزيز دورها كموفّق نزيه بين الدول العربية المتجافية من جهة وإيران من جهة اخرى. كما تجد فيها بارقة أمل للفلسطينيين المطالبين بتوحيد صفوفهم من أجل توفير الضغط العربي اللازم لحمل أمريكا على تسهيل مسألة إعمار غزة وعلى إحياء المفاوضات حول حل الدولتين وفق بنود مبادرة السلام العربية.

الفلسطينيون ما زالوا غارقين في خلافاتهم وإن كانوا نجحوا في تذليل قسمٍ منها. لذلك لا يمكن تحديد مقدار تكيّفهم مع مبادرة أوباما قبل إقامة حكومة الوفاق الوطني المنتظرة.

يتحصل من مجمل هذه المعطيات أن لا حدود مانعة لدى القادة العرب في التكيّف مع مبادرة أوباما إلاّ من طرف سوريا وقوى المقاومة العربية والإسلامية. ذلك أن أهل الممانعة والمقاومة ينتظرون أفعالاً محسوسة تنبئ بتحولات نوعية من طرف امريكا في الشكل والمضمون، أي في شكل أو في إجراءات التعاطي مع أطراف الصراع ولا سيما الفلسطينيين منهم، وفي مضمون التسويات المراد تسويقها. فلا سبيل إلى القبول، مثلاً، بإقصاء “حماس” عن حكومة الوفاق الوطني وبالتالي عن المفاوضات بدعوى أنها لا تعترف ب”إسرائيل” أو أنها ترفض نبذ العنف. كما لا سبيل إلى معاودة المفاوضات في ظل رفض “إسرائيل” وقف الاستيطان أو الاستمرار فيه بعد الإعلان شكلياً عن وقفه.

هذا بالنسبة إلى حدود التكيّف مع مبادرة أوباما. أما بالنسبة إلى المردود المنتظر منها فإنه محدود على وجه العموم. ذلك ان أوباما يواجه، اولاً، أزمة اقتصادية متفاقمة في الداخل تشير تطوراتها المتلاحقة إلى أنها ستكون بالغة السؤال والخطورة ما يضيّق على الرئيس الأمريكي هامش الحركة والعمل في الخارج. ثم هو يواجه، ثانياً، قوى محافظة ومتصهينة داخل الشبكة الحاكمة (الاستبلشمانت) ستحول دون إلزام “إسرائيل” بتقديم “تضحيات” نوعية في هذه المرحلة لتسريع عجلة المفاوضات والوصول إلى تسوية مقبولة من العرب.

إلى ذلك، فإن أوباما كما قادة “إسرائيل” يواجهون، ثالثاً، صعود قوى المقاومة العربية والإسلام الراديكالي عموماً ما يحول دون قيام الأطراف الضعيفة والمتخاذلة في الأسرة العربية بتقديم تنازلات إضافية لأوباما أو غيره تحت ذريعة تسهيل مسار العملية السياسية المؤدية إلى سلام عادل.

في ضوء هذا الواقع الذي لم تُبدد حلكته بارقةُ أوباما الخاطفة، ماذا يمكن أن ينصح القادة العرب بعضهم بعضاً، أو ماذا يمكن أن ينصحهم الأغيار المخلصون والواعون؟

لعل من المفيد أن يتوقفوا عن التكيّف بكرم لا مبرر له مع الرئيس الأمريكي الجديد قبل معرفة جديده بالنسبة لقضية فلسطين.

فلسطين هي المحك والمعيار..
"الخليج"