لا حاجة للعويل../ عوض عبد الفتاح

تضج الصحف ووسائل الإعلام والمنابر المختلفة وصيحات السياسيين، بالعويل والتحذير من حكومة نتنياهو-ليبرمان، وتكاد تطغى هذه الصيحات على الأصوات العاقلة التي ترى الصورة بوضوح والتي لم تأخذها ولا تأخذها الأوهام القاتلة.

وتفرز هذه التحذيرات من الحكومة الجديدة، أجواءً توحي كأن ما كان حتى الآن مسيرة باتجاه تحقيق سلام عادل، وليس مسيرة حروب وقتل واحتلال ومفاوضات عبثية أنهكت شعب فلسطين، وكأن ما سنراه من الحكومة الجديدة هو أمر معاكس بصورة جوهرية وليس استمرارًا لنهج الحكومات السابقة وإن كان بصورة اكثر فظاظة.

لماذا هذا الضجيج، وما هو هدفه؟ هل هو تعبير عن توقف متعة الإستمراء الناجم عن التلهي بعملية السلام ولعبة المفاوضات، وما يستتبعه من إدمان على هذه اللعبة التي تريح البعض من واجب التعامل بجدية مع مقتضيات صراع جوهري وحضاري مع عدو محتل، استيطاني، إجلائي وعنصري؟ أم أن هذا البعض إستفاق الآن ليستغل تشكل هذه الحكومة الإسرائيلية لمطالبة العالم بإعادة النظر في مجمل قواعد اللعبة القاتلة المعتمدة حتى الآن؟

"الدنيا قايمة قاعدة" لأن هذه الحكومة أو زعيمها نتنياهو لم ينطق بكلمة دولتين، وهو يتهرب من نطقها ويتخفى بعبارات غامضة أو بقبول خارطة الطريق البائسة، هذا القبول الذي يهدف إلى إرضاء وزير الحروب إيهود باراك، الذي حطـّم حزبًا ظل لفترة طويلة يسوّق كحزب يساري (صهيوني)، وهو أكثر الأحزاب خطورة بالنسبة لقضية العرب وفلسطين.

وكما هو معروف فإن شارون وضع 14 تحفظًا على خارطة الطريق مما زادها بؤسًا على بؤس، وموقفه منها، ونتنياهو ايضًا، هو التشديد على الجانب الأمني فيها قبل التقدم بأية خطوة ميدانية أو سياسية. هدف الجميع هو إدارة الصراع وليس حلـّه.

ثم هل ننسى أن النقلة النوعية في السياسات والممارسات ضد عرب الـ48 بدأت منذ الإنتفاضة الثانية منذ أواخر عام 2000 وفي ظل حكومات العمل المركزية! وليس اليوم.

ليس المطلوب مطالبة إسرائيل بالإعتراف بالدولتين، أو بشعار الدولة الفلسطينية، فشارون وأولمرت وغيرهما قبلوا هذا الشعار، ولكن أية دولة يقبلون بها. إنها دولة الكانتونات الممزقة والمنهوبة والمحاصرة جوًا وبرًا وبحرًا، أي بدون سيادة. إن المطلوب هو دحر الإحتلال والإستيطان،وإعادة اللاجئين، وإسقاط النظام الصهيوني العنصري في فلسطين وإقامة نظام ديمقراطي وعادل.

إن تشكل هذه الحكومة، التي جاءت لتفصح بصورة أوضح عن الأهداف النهائية للحركة الصهيونية ولحكومات إسرائيل المتعاقبة هي فرصة للحركة الوطنية الفلسطينية للمباشرة فورًا بإعادة النظر في مجمل الإستراتيجية، إذا كان هناك إستراتيجية، المعتمدة حتى الآن التي أحدثت قضمًا وتآكلاً هائلين في قيم التحرر الوطني وفي عملية التمسك بالثوابت الوطنية. لم يعد بالإمكان مواصلة تكريس تجزئة القضية الفلسطينية بين الضفة والقطاع وعرب الـ48 واللاجئين. ويصبح ضربًا من العبثة متابعة النهج الإنتظاري والتعويل مرة أخرى على رئيس أمريكي جديد وعلى موقف أوروبي جديد دون الإعتماد على الذات.

ما أبداه شعب فلسطين من صمود أسطوري حتى الآن، رغم الإنقسام المأساوي، وما أبدته طلائع الأمة العربية في مواجهة العدوان الأمريكي-الصهيوني، في لبنان وسوريا والعراق وغيرها وما أبداه عرب الـ48 من صمود وتمسك بهويتهم وقضيتهم، يؤكد قدرة هذا الشعب والأمة العربية على السير في طريق الكفاح الطويل وصولاً إلى إسقاط النظام العنصري.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص